أخبار عاجلة

طقوس معكوسة.. قصة قصيرة لعلا عبدالمنعم

ضجرة هي رغم ازدحام الحفل وبهجته، تتلكأ لتبادر بفعلِ صادم ربما غَيَّر مزاجيتها المتوترة، تبحث عيناها عن شيء لا تعرفه ذلك الذي فور رؤيته يخبرها بنفسه عما يجب عليها فعله، هَبَّت واقفة في مكانها الذي بقيت فيه طويلا فاصطدمت بالنادل فانسكب شرابًا أحمر اللون على فستانها العاجي، ذُعِر الفتى من الاصطدام وما نتج عنه لكنها بابتسامة غير متوقعة من سيدة في موقفها هدَّأت من روعه، ربتت على كتفه أن اطمئن لا شيء يدعو للقلق ومضت في طريقها لغرفة تبديل الملابس بصحبة ربة المنزل صاحبة الحفل، اختارت من دولابها رداءً بسيطا رغم امتلاء المكان بملابس السهرة الفاخرة وعَدَّلت من زينتها ولملمت خصلات شعرها الكستنائية بما يناسب الطبيعة الجديدة لما ترتديه، على باب المنزل يستعد للدخول بينما هي تتأهب للاندماج وقد ألهب الحادث العارض حماستها فقررت الاستمتاع بما تبقى من الوقت في حفلها، كان هو يقترب من أصحاب الحفل وقد هم بمصافحتهم عندما اقتربت من صديقاتها في محاولة منها للاندماج مع مجموعتها القديمة من صديقات المدرسة فاصطدمت بكتفه لتتعالى ضحكتها الغير مبررة له بينما هي أدهشتها تكرار اصطداماتها بالمحيطين لكنها ما لبثت أن اعتذرت له عن سوء تصرفها فلانت قسماته بعد امتعاض، سارت معه للنادل واستأذنته أن تختار له مشروبا بنفسها وبعد موافقته اختارت له مشروب الفواكه ذلك الذي راق له فور تذوقه، عرفها بنفسه وأخبرته بكينونتها وطفقا يتحدثان وقد انفصلا عما يحيطهما وكأن الناس قد أصبحت من اللامرئيات، من مزهرية قريبة استلت زهرة تتفق مع لون حلته التي يرتديها ثم باغتته ووضعتها في جيب السترة العلوى بعد أن أزاحت المنديل ووضعته في جيبه السفلي، إحْمَّر وجهها عندما شعرت بارتباكه لكنها لم تستسلم لتلك المشاعر سألته ولم تنتظر الإجابة فقد جذبت يده مع بدء الموسيقى وقررت أن تراقصه، كانا وحدهما بعد امتناع الباقين عن الاندماج معهما، مرتبكا متوترا متعرقة يديه يبحث عن منديله ليجفف حبيبات صغيرة متكاثرة ندت بها جبهته لكنها لا تمهله وتقوم بمسحها بيدها المجردة بينما عيون المتلصصين تحيطهما ويكاد البعض منهم يقترب ليسألهما عما يحدث الآن بعد أن لانت خطواته واندمج معها واستبدل في حديثه معها الضحكات بالبسمات الهادئة حتى لتكاد قهقهته أن تصل للحارس على بوابة البيت، صفق الجميع بعد انتهاء الموسيقى متعمدين لإفاقتهما من اندماجهما وكأنهما في إغفاءة لا يستيقظون منها، تبادلا الضحكات قبل أن تطلب منه الانصراف معها بعد أن أوشك الحفل على الانتهاء، كان قد استسلم لها تماما بعد أن استطاعت الاستحواذ على عقله والسيطرة على إرادته في أقل من ساعة وهو الأستاذ الذي تلقى تعليمه في أكبر الجامعات العالمية تلك التي تعلم فيها كيف يكون سيد قراره لا يسيطر عليه أحد فإذا به معها مجرد سائق ترتكز يداه على عجلة القيادة بينما تمليه هي الوجهة وتخبره عن الطريق، عند شاطيء البحر المتاخم لسفح الجبل أمرته بالتوقف، كان النسيم عليلا يداعب خصلات شعرها ويطيرها حتى يكاد يحتل قسماتها ويواريها عن عيونه، وكما كثرت مباغتاتها وحركاتها العفوية باغتها وأزاح عن وجهها الشعر ولما أصر النسيم على مزاحمته في وجهها فك ربطة عنقه ودار حولها حتى وصل لأطراف شعرها فجمعه في صحبة كما باقة الورد وعقصه بها وتمادى في اقترابه حتى توغلت رائحة شعرها في أنفاسه فأغمض عيونه مستمتعا ومحاولا استيعاب جلال اللحظة وجمالها وعظيم هيبتها، كان الهلال قريبا منهما رغم بعده برتقاليا في لونه ما أكسب اللحظة تميزا فوق التميز، تضافرت أصابعها بأنامله بلا وجل أو خجل فأطلقت شفتاها ابتسامة تنضح بالحرية والانطلاق، اقتربا أكثر من أطراف المياه حتى شعرا بمداعبتها لأصابع أقدامهما، ألقى سترته وحذاءه كما تخلت عن حذرها، في لحظة لم يدركاها تحولا لآدم وحواء حين هبطا من الجنة غير أن شجرة التوت لم تكن بجوارهما، سارا سويا حيث تلقفتهما موجات حنون نجحت في إلهاب جذوة كانت بالفعل مشتعلة، في بحر مجنون كما هما تلاطمت أمواجهما، ارتعشت فرائصهما كما ارتعدت أجسادهما، توالجا كثيرا كما لو كانت الحياة ستنتهي الآن، احتضن الماء سرهما كما رمال الشاطيء ذلك الذي استلقت عليه تلهث بعد نوبات متلاحقة من الرعود والصواعق، بعد وقت لما يحسباه قررت شمس سمائهما أن توقظهما فأرسلت أشعتها لمداعبة العيون، استيقظت هادئة وقد ارتخت قسماتها وارتسمت على شفتيها ابتسامة رضا، أمسكت حذاءها بيدها ومضت تترنح حافية على رمال بدت ساخنة عن الليلة السابقة بينما شعرها معقوص بربطة عنق وقد خفت حدة تلوث فستانها من أثر العصير القرمزي المسكوب.