صدر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي، ضمن سلسلة قصص قصيرة، مجموعة “نظرية الترقب اللحظي” للكاتب محمد الحديدي.
من أجواء المجموعة نقرأ من قصة “أصل الحكاية” :
هم الرجال مسرعين، قاصدين مفهى أبو سعده على رأس الحي، ملبين دعوة المعلم “عبد القوي في لقائه الشهري بهم.. وما أن توالت الأفواج صوب المفهى حتى لدت عن وجه أبو سعده ابتسامة حارة. قام بجمع الكراسي الخشبية المبعثرة في أرجـاء المقهى حتى جعلها في شكل دائري، داعيا الله أن يطيل عمر المعلم “عبد القوي” وأن يحفظه من كل مكروه.. كان المفهي قد ديت في أوصاله الضوضاء والحركة ورائحة السجائر والدخان تعلو رؤوس الجالسين. للحظات صامتة، توقف الرجال خلالها عن الكلام والضحك، حيث لف المكان باسره صمت عجيب…. هيوا واقفين لمقابلة المعلم “عبد القوي وقد دنا منهم مبتسما نصف ابتسامة تتناسب مع مكانته لديهم…
كان المعلم “عبد القوي طويلا أقرب ما يكون بمسلة بتلاقي طرفا شاريه أسفل ذقنه.. مرتديا جلبابه الفضفاض الرمادي الغامق
والمصنوع من الصوف الخالص.. كانت عمامة بيضاء مزخرفة بألوان جذابة في تناسق حول عنقه.. انحنى الرجال مقبلين يديه الغليظتين ووجهه النابض بملامح الرجولة السارحة.. الترب منه أبو سعده” رافعا يديه للسماء … داعيا له بالصحة والعافية وطول العمر، جلس المعلم فبدا كتمثال أثري منقوش بايد فرعونية أصيلة.. الثف الرجال حوله مرحبين به.. محتقبل بقدومه.. فهو بالكاد استطاع أن يقتطع جزءا من وقت زوجاته الأربع التابعات في بيته الواسـع الشـاهق.. بيديـه صـفق مرتين أمـرا بتقديم المشروبات وحجارة المعسل لجميع الرجال على حسابه الخاص… رفعوا أيديهم للسماء في شكل أوتوماتيكي داعين الله أن يمنح المعلم الصحة والعافية وطول العمر.. داعب المعلم “عبد القوي” شاريه الأسود الكثيف بأصابعه الطويلة الغليظة بعد إحساسه بالنشوة والحيوية.. راح يقص عليهم ما حدث له من مواقف صعبة قد تعرض لها في الأيام الفائتة وكيف أنه وحده ودون الاستعانة بأحد قام بالقضاء على عدد كبير من قطاع الطرق واللصوص. تفحص بطريقته الخاصة ملامح ووجوه الرجال المحيطين به فقرا في عيونهم آيات الإعجاب، تأكد له ذلك عندما ألحوا عليه أن يحدثهم عن أصل عائلته الكريمة وسلالته الطيبة.. تناءب المعلم “عبد القوي” رافعا حاجبيه إلى أعلى وقال:
أما عن جدي الأكبر أعبد الجبار رحمه الله… رفع الرجال أيديهم إلى السماء. داعين الله أن يرحم جد المعلم وأن يدخله فسيح جناته.. واستطرد قائلا.. كان يخشاه طوب الأرض.. وما أن مر على قوم حتى هبوا واقفين يملأ قلوبهم الرعب خشية أن تمتد يده إليهم بما لا يحمدون عقابه… كان رحمة الله عليه – يكفيه أن يرمق أي إنسان مهما كانت قوته بنظرة واحدة فيهوي على الأرض صريعا طالنا منه الصفح والسماح. كان أبو سعده واقفا في نهاية بجواره.. المقهى فرمقه المعلم “عبد القوي بنظرة قوية فهب مسرعا بإحضار كرسي قد تصلبت أرجله وجلس مع الرجال رافعا يديه للسماء داعيا الله له بالصحة والعافية.. أمسك المعلم بعصا غليظة كانت لیا هذه فهي عصا والدي.. فقام الرجال مقبلين العصا الكريمة والتي كانت تمسك بها يد الرجل الذي أنجب لهم فارسا عظيما ورحلا قويا مثل المعلم “عبد القوي فما كان من المعلم إلا أن ابتسم واستطرد قائلا: هذه العصا ما كان يسمع بدقتها على الأرض أحد إلا وانتفض من مكانه مرتجعا…
كان الأطفال قد جاءوا يستطلعون الأمر بفضول متصنعين التقاط أعقاب السجائر وأعطية زجاجات المياه الغازية… رمقهم المعلم عبد القوي” بنظرة ساخطة فما كان من إلا أن طار وراء هم شاتما أباءهم وأمهاتهم.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع