أخبار عاجلة

أحمد شوقي يكتب: مودى الإمام.. الهدوء فى الخارج والصخب فى الداخل  

سنؤجل الحديث عن الموسيقى فقرة أو فقرتين لسبب سيتضح لاحقًا، ولنبدأ بالإشارة إلى أن خصوصية مودى الإمام وقدرته على إثارة الدهشة يمكن أن تنطلق من شكله وسلوكه، وكلاهما يحمل قدرًا ضخمًا من المفارقة والمخالفة للسرديات المعتادة.
عندما تنظر إلى ملامح وجهه التى لم تتغير منذ ظهر على الساحة مغنيًا وعازفًا شابًا فى نهاية السبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي: الشعر الأسود المجعد والشارب الذى يحيلنا إلى موضة الحقبة وجنونها الموسيقى، فريدى ميركورى وليونيل ريتشى وجيمى هيندركس والبيتلز فى مرحلتهم البوهيمية. عندما تلاحظ أيضًا جسده الرشيق الذى لم تضع سنوات جاوزت الستين بصمتها عليه كما فعلت مع أغلب المصريين، ومنهم شقيقه ورفيق دربه حسين الإمام، الصاخب الأكبر والموهوب الذى لم ينل بعد حقه من الاحتفاء. يبدو مودى هنا صورة من زمن فات، وكأنه صبى السبعينيات المصمم على التمسك بزمنه للأبد. هذه نوعية من البشر عادة ما تنتهى بأن تغدو فجأة خارج العصر، غير ذات صلة irrelevant، لنجد السؤال يقفز للأذهان: كيف تمكن مودى من البقاء فى قلب زمننا موضوعًا رغم اختلافه شكلاً؟
أما عن السلوك ففى كل مرة يظهر فيها مودى الإمام للعامة، سواء للإدلاء بحديث إذاعى أو تليفزيونى نادر، أو حتى كتابة رأى شخصى على منصات التواصل الاجتماعي، لا يمكنك إلا أن تندهش من القدر الهائل من الأدب الجمّ، الحديث الهادئ المتمهل والمراعى لكل لفظ بل وكل هنّة، أداء أقرب للسياسيين ورجال الدولة منه لفنان موسيقى لم ينشأ فقط فى أكثر مراحل التاريخ صخبًا وتحررًا (عالم ما بعد ثورة الشباب فى 1968)، ولكنه شبّ داخل منزل حسن الإمام، المخرج الأنجح جماهيريًا، صاحب البصمة التى لا تمحى فى صياغة عوالم الليل والرقص والغوانى.
كيف يمكن لشخص أن يجمع كل هذه المتناقضات؟ نشأة فنان بوهيمى وسلوك لورد بريطانى ومظهر رجل مصمم على التمسك بلحظة شبابه؟ الإجابة باختصار تكمن فى سماع موسيقاه.
ثنائية الفورة والشخصية
إذا ما بحثنا عن صياغات لغوية تحاول التعبير عن موسيقى مودى الإمام، وهى دائمًا محاولات عبثية فى ظل عجز اللغة عن الإلمام بكل تملكه الموسيقى الجميلة من قيم شعورية ونفسية وفنية مجردة، فسنقول إنها فى أغلب الحالات موسيقى فائرة وذات شخصية.
فائرة لأنها لا تكتفى أبدًا بحيز الوفاء بالمطلوب، فى أدبيات الصنّاع يصفون إنجاز مهمة ما بأنها «شرعية»، أى أن صانعها قد أدى المطلوب منه وأوفى بالمهمة الموكلة إليه بما لا يستلزم اللوم، لكنه أداها بميكانيكية المحترف، دون أن يحاول أن يضيف لونًا أو يزيد عُربَة أو يُقدم على مغامرة قد تأتى بنتائج عكسية. موسيقى مودى هى عكس تلك الشرعية على طول الخط، تفور فى كل موقع بما يكفى ويفيض ويتجاوز حدود التكليف بأميال.
استمع مثلًا إلى موسيقى «حاجات ومحتاجات» وتذكر أن هذه الأمواج المتتالية من النغمات صُنعت من أجل مقدمة فوازير رمضانية، من مقدمة كارتونية إلى تسلل قوطى إلى مزج الأوبرالية بالفلكلور بل وبأداء أغانى الراب، كل هذا فى مساحة زمنية لا تتجاوز عدة دقائق كان من الممكن أن يملأها مؤلف موسيقى آخر بما هو أقل بكثير من ذلك ويظل موضوعًا للثناء.
موسيقى ذات حضور
أعمال مودى الإمام أيضًا ذات شخصية، ليست مجرد موسيقى تسمعها فى خلفية الفيلم لتعبر عن حالة الشخصيات، لكن لها كيان مستقل بذاته، يجمع بين نقيضين: التكامل والاستقلال؛ فمن جهة تتكامل الموسيقى مع الحكاية وشخوصها وترتبط عضويًا بهم، ومن جهة أخرى تقف كعمل فنى مستقل، يكاد يحمل نفس أفكار ومشاعر الفيلم ويعبر عنها بالطريقة الموسيقية.
أنظر مثلًا لعالم «الإرهاب والكباب» الكارتونى، وتخيل كم كان الفيلم سيخسر دون موسيقى مودى الآتية من عمق الجغرافيا، من الممرات الحلزونية التى لا تنتهى لمجمع التحرير وحركة البشر داخلها كالسائرين نيامًا، أفواج بشرية تتحرك فى عشوائية متناغمة، وحكاية كارتونية الطابع يجعلها التكامل الموسيقى تبدو وكأن النص السينمائى قد كُتب على إيقاع تلك الموسيقى تحديدًا. نفس الموسيقى تمتلك بمفردها نفس الأثر تقريبًا، لو استمعت إليها بمعزل عن الفيلم قد لا تخبرك أن رجلا اسمه أحمد قد احتجز رهائن فى مجمع التحرير، لكنها ستوصل لك بوضوح الشعور المطلوب: شعور الفأر الذى يدور فى متاهة عبثية.
بنفس الطريقة لاحظ كيف صاغت موسيقى «الهروب» شخصية منتصر، فعبّرت تمامًا عن رحلته المأساوية التى يتحوّل خلالها بطلًا شعبيًا ويسير إلى حتفه فى آن واحد، ومنحت الشخصية بُعدًا أسطوريًا، يستمد نصف عظمته من الارتباط بالجذور ونصفها الثانى من مسيرته الحثيثة نحو النهاية المحتومة لكل بطل تراجيدى، هى موسيقى مُحاكة على مقاس الفيلم، كبدلة أنيقة تزيد صاحبها وسامة، وهى أيضًا – ويا للعجب! – قطعة موسيقية منفردة تحكى نفس المشاعر ولكن بصورة مجردة.
الاكتفاء بالذات وصخبها
يمكننا الاستمرار فى ضرب الأمثلة بلا توقف، فمسيرة مودى الإمام حافلة بعشرات الأغنيات والقطع التى تحتاج كل منها لتأمل وتحليل مستقل، لكننا وفى كل مرة تقريبًا سنجد النتيجة نفسها: هذه موسيقى وضعها فنان يتنفس عمله، يتشرب بكل تفاصيله فيصير الفيلم جزءًا من تكوينه ويصير هو جزءًا من تكوين الفيلم.
وإذا وضعنا هذا جوار ما ذكرناه فى البداية عن مظهر مودى وأدبه المُفرط، نبدو لوهلة وكأننا أمام رجل لا يعيش معنا نفس الحياة، أو للدقة رجل يعيش ثراء حياته داخل نفسه، لا تشغله صرعة موضة ولا شهوة طعام ولا تنافس إنسانى بين أرباب المهنة. رجل يخوض كل المعارك والأسئلة والصراعات بشكل جوّاني، يشاكس فيها شياطين الشعر وجن وادى عبقر، ولا يكتفى بالخروج من المعركة سالمًا، بل يخرج حاملًا لحنًا جديدًا لا يدركه غيره، ليقدمه لنا مصحوبًا بابتسامة أبدية وشعر أجعد وجسد ممشوق، ووجه لا ينشغل صاحبه كثيرًا بملاحظة أن الناس خارج عالم مودى الإمام لم يعودوا يفضلون موضة الشوارب!

*منشور بجريدة القاهرة