أخبار عاجلة

محمد عطية يكتب: الموسيقى التصويرية..ما بين فقدان الهوية ومحاولات الحفاظ عليها

على مدار عقود متتالية احتفظت الدراما المصرية بتميزها على مستوى الموسيقى التصويرية، احتلت بعض التترات والمقطوعات الموسيقية الداخلية مساحة هائلة من وجدان المشاهد بل وساهمت فى نجاح كثير من الأعمال الفنية.
مع رحيل جيل الرواد «عمار الشريعى» و«حسن أبوالسعود» و«ميشيل المصرى» وابتعاد البعض مثل «عمر خيرت» و«ياسر عبد الرحمن» عانت الدراما كثيرًا وحاول جيل الوسط من المؤلفين الموسيقيين ملء الفراغ بالبناء والتطوير على الإرث الضخم الذى تركه الرواد، حتى ظهر جيل جديد من المؤلفين الموسيقين صنع اتجاهًا جديدًا مغايرًا لمن سبقوه.

جيل الوسط:
يعتبر هذا الجيل امتدادًا لجيل الرواد فى الحفاظ على صنع موسيقى تتألف مع سياق الدراما سواء كانت اجتماعية أو كوميدية، مع ابتكار جمل لحنية متماسكة والبناء عليها هارمونيًا بشكل جيد.
يبرز من هذا الجيل عدة أسماء مهمة على رأسها الموسيقار «خالد حماد» كأحد من طوروا فى شكل الموسيقى التصويرية المعاصرة، يمتاز حماد بقدرته الهائلة على التقاط جمل لحنية رشيقة تعلق بسهولة فى أذن المشاهد وإجادة تغليفها بشكل اوراكسترالى مبهر.
تظهر بصمته فى المزج بين الآلات الشرقية والغربية فى أوركسترا واحد فنجد حضورا قويا للعود والقانون والأكورديون بجانب الأوبوا والكلارينت وآلات النفخ النحاسية، مع تنوع جيد فى الإيقاعات ما بين شرقية وغربية، وضع حماد الموسيقى التصويرية للعديد من الأعمال المهمة مثل «أوان الورد» و«العراف» و«نجيب زاهى زركش».
مع خالد حماد يأتى الموسيقار عمرو إسماعيل كأحد الأسماء المهمة فى عالم الموسيقى التصويرية، يعتمد إسماعيل فى بناء موسيقاه على جمل لحنية قصيرة مع انتقالات مقامية معتادة أصبحت تشكل بصمته الموسيقية الخاصة، يحافظ على تواجد بعض الآلات مثل العود والناى والتى يستخدمها بكثرة فى نسيج توزيعاته الموسيقية، أشهر مؤلفاته الموسيقية كانت الموسيقى التصويرية لمسلسل «الكبير« و«كفر دلهاب» و”هجمة مرتدة”.
الجيل الجديد:
ابتعد هذا الجيل عن الأسس التى وضعها جيل الرواد فى صنع الموسيقى التصويرية مفضلًا أن يتجه نحو الغرب أكثر معتمدًا على الموسيقى اللا مقامية التى يصعب تتبع أى مقام موسيقى فيها.
يأتى على رأس هذا الجيل الموسيقار «هشام نزيه» الذى مهد الطريق بأفكاره الجديدة المتمردة لظهور هذا الجيل، ويعتبر الأقوى فنيًا بحكم خبرته الكبيرة، ينتصر نزيه لفكرة الموسيقى اللا مقامية انطلاقا من التحرر من قيود المقامات الموسيقية محددة الملامح، يمتاز بنقلاته اللحنية غير المتوقعة وقفلاته اللحنية المفاجئة، لا يحبس نفسه فى إطار موسيقى بعينه ويجيد المزج بين العديد من الأشكال الموسيقية فنجده يضع توزيعًا صاخبًا من موسيقى الروك على لحن صوفي، أبرز ما قدمه الموسيقى التصويرية لمسلسلات «نيران صديقة» «ليالى أوجينى» و«أفراح القبة».
من أبرز الأسماء فى الجيل الجديد الملحن «خالد الكمار» الذى حقق انتشارًا واسعًا فى الفترة الأخيرة، يختلف الكمار قليلًا عن «نزيه» فى أنه لا يحبذ أن تكون للموسيقى التصويرية جملة لحنية محددة، بل عبارة عن عدة حركات متتالية مشتقة من بعضها تعبر عن الحالات الدرامية على اختلافها، يعتمد بشكل كبير على جزء الهارمونى فى موسيقاه مع تنفيذ أوركسترالى قوى.
يعيب على الكمار عدم إجادته للموسيقى الشرقية بشكل كبير ووضح ذلك فى تتر مسلسل الأختيار حيث وضع جملة شرقية ضعيفة جدًا على مقام الراست جاءت مقحمة جدًا على الموسيقى وبدون تمهيد جيد لظهورها، ظهرت موسيقاه فى العديد من الأعمال مثل «الاختيار» و»خلى بالك من زيزى».
هذا الجيل أسس مدرسة جديدة فى الموسيقى التصويرية اختفت فيها الجملة اللحنية القوية التى تعكس سمات مميزة لمقام معين سواء حزن أو فرح، وأصبحت الموسيقى عبارة عن حركات متتالية لا يمكن تتبع فيها جملة لحنية مميزة والاعتماد بشكل كلى على جزء الهارمونى والتوزيع الأوركسترالى الذى يعطى دسامة وفخامة للعمل لكنه لن يعلق فى أذن المستمع بسهولة بالإضافة إلى كثرة استخدام المؤثرات الصوتية والتكنولوجيا الحديثة فى مغازلة واضحة لمنصات العرض المدفوعة الأجر التى دخلت سوق إنتاج الدراما.
فى النهاية يمكن أن نقول إن الاعتماد على الجيل الجديد من المؤلفين الموسيقيين بكثرة على حساب جيل الوسط قد يكلفنا فقدان هويتنا الشرقية وأننا نمر بمرحلة ضعف واضحة جدًا حيث فقدت الموسيقى التصويرية دورها المؤثر وتسببت فى تشتت المشاهد الذى لم يعد يعرف هل ما يسمعه موسيقى خاصة بدراما مصرية أم دراما أجنبية؟

*منشور بجريدة القاهرة