ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة “أرواح مجسمة”، من مجموعة “بريق باهت”، للكاتبة دينا ممدوح، وهي صادرة عن سلسلة كتابات جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي.
“أرواح مجسمة”
بخوف بالغ أتحسس وجهي بأطراف أناملي كل يوم وأتأكد.. هل
ملاحي كها هي أم تغيرت؟
أفتقد وجود المرآة منذ جئت إلى هنا، أتمنى أن أرى وجهي كل يوم
حتى أرى ما تغير، ما ينقص وما يزيد، أرى ملامحي التي تتبدل بطريقة غير مفهومة حتى لي في بعض الأحيان.
الأيام تتشابه بالنسبة إلي في كل شيء، هذا اليوم يتكرر مرة كل
أسبوع، ذات التاريخ يعود في الشهر القادم، لا يختلف شيء أبدا، عدا شيء ميء واحد فقط.. حواسى.
اليوم فقدت فجأة إحدى حواسي، وبالتأكيد تغير معها شكلي، فمع
كل تغير في ملامحي والتشكل بشكل جديد، أفقد حاسة ما.
بالأمس فقدت حاسة الشم ومعها أنفي، وكنت ألتقط أنفاسي بصعوبة، أما اليوم فيبدو أنني فقدت فمي بأكمله؛ فلا أستطيع الكلام أو التذوق.
جاء أخي لزيارتي، الزيارة التي يكررها كل بضعة أشهر، زيارة سريعة على استحياء، يحاول فيها سؤالي عن حالي دون اهتمام، كأنه يفعلها بغرض ما، كل الأشخاص ملامحهم تختلف مرة تلو الأخرى بالنسبة لي ، الا أخي، هو الوحيد الذي أرى وجهه كالدائرة دائما، لا زوايا له، ولا أسرار يمكن أن تكشف، كل شيء يدور في فلكه وحده، ولا أستطيع أن أعرفه، يتركني حائرة من شعوري أن هناك داخل عينيه الغائرتين المقلقتين سرا ما، يهرب مني بجوار ذلك الخط الواحد لدائرته ولا يمكنني لحاقه؛ فأتركه ينهي زيارته سريعا بعد أن يقتلني اللهاث والتعب من محاولة اللحاق بسر دائرته الغامض.
بعد أن دخلت غرفتي جاءت تلك الممرضة الحسناء؛ لتعطينى
أدويتي، اليوم تزداد ابتسامتها اتساعا؛ فتصل من أقصى اليمين لأقصى اليسار؛ إذ تحتل كامل وجهها، وجهها الذي أصبح اليـوم على شكل قلب، كوجه أمي طوال حياتها، لم أفهم ما حدث لها، وما المختلف اليوم عما سبقه سوى أنها أكثر سعادة وحبا، ولكنني فهمت حين رأيت ذلـك المحبس الذهبي اللامع الذي يتوسط يدها اليمنى.
جاء طبيبي في موعد جلستنا، وأخبرني أنه يريد أن يتحدث معـي
قليلا، لم أهتم بكل ما كان يقوله؛ وذلك لانتباهي لشكله الـذي تبدل،
وقد أصبح وجهه يشبه المثلث المجسم، ولا أجد عينيه مكانهما، ولكنه بفمه الذي يملكه دوني أخبرني أن حالتي تزداد سوءا، لم أستطع إخبـاره أن حالته هي التي تزداد سوءا من وجهة نظري، كيف لا يشعر أن عينيه ذهبتا بلا عودة؟
أستطع إخباره أن كل الأشخاص أصبحت ملامحهم واضحة
بالنسبة إلي، وكأن هناك هالة حولهم تتغير بتغير أمزجتهم وقلوبهم، مثل ذلك الحجر الذي قرأت عنه من قبل في مكان ما، الذي يتغير لونه حسب الحالة المزاجية للشخص الذي يحمله، يبدو أن كل الأشخاص ملامحهم تتبدل حسب حالتهم المزاجية أو القلبية.
يرى طبيبي أن ما يحدث لي محنة لا تستجيب لكل الأدوية التي يحاول إعطائي إياها، أو طرق العلاج التي يتبعها معـي، ولكننـي أؤمن أنه منحة من الله؛ أن أرى الأشخاص حولي عبارة عن حواس وأشكال.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











