أخبار عاجلة

أبو الحسن الجمال يكتب: الدكتور حمدي عبد المنعم حسين.. عشق أندلسي

يُعَّد الأستاذ الدكتور حمدي عبد المنعم محمد حسين، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة الاسكندرية، واحداً من رواد مدرسة جامعة الإسكندرية التاريخية والتي تميزت بدراساتها في تاريخ المغرب والأندلس، بما أنجزه من أبحاث علمية رائدة في هذا المجال،
وقد تميزت بالعمق، خصوصاً وأنه من أخلص تلاميذ العلامة الكبير الدكتور السيد عبد العزيز سالم، والذي أشرف عليه في رسالتيه للماجستير والدكتوراه.
وقد تعرفت عليه قبل عقدين من الزمان عندما وقعت في عشق هذه المدرسة العريقة، وحاولت أن أتعرف على رموزها الأجلاء من أمثال: الدكتور جمال الدين الشيال، والدكتور السيد عبد العزيز سالم، والدكتور أحمد مختار العبادي، فكنت اتصل به على الدوام ويحكي لي الكثير عنهم وعن منجزاتهم.
ثم قابلته أول مرة في مؤتمر “الحضارة الإسلامية في الأندلس- دورة الدكتور أحمد مختار العبادي”، الذي عقد في رحاب مكتبة الإسكندرية في منتصف شهر نوفمبر 2016، وتحدثت معه كثيراً خلال زياراتي العديدة لمدينة الإسكندرية.. كنت التقيه، واتجاذب معه أطراف الحديث، وقد أمدني بالكثير عن عن حياته ومنجزاته.
ولد حمدي عبد المنعم محمد حسين بمدينة الإسكندرية عام 1953، لأسرة تنتمي إلى صعيد مصر من ناحية الأب والأم، وإن كان والده قد ولد في مدينة الإسكندرية، فالأب يعود بجذوره إلى قرية “موشا” بأسيوط ، والأم إلى إحدى قرى محافظة سوهاج.. تعلم في مدارس الإسكندرية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية وحصل على الشهادة الثانوية عام 1971.
ثم أراد أن يلتحق بكلية الشرطة وقدم فيها أوراقه، إلا أنه لم يوفق في القبول، فولى شطره إلى كلية الآداب جامعة الإسكندرية واختار قسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية، ليتلقى العلم على رواد كبار في كل شعب التاريخ القديم والوسيط والإسلامي والحديث، وكان يحرز الدرجات العليا كل عام وتخرج بتفوق عام 1975، ومن أشهر أبناء دفعته، الأستاذ الدكتور كمال السيد أبو مصطفى، والأستاذ الدكتور إبراهيم خميس، والأستاذ الدكتور عزت زكي قادوس، والأستاذة هدى الشيال ابنة المؤرخ الكبير الدكتور جمال الدين الشيال، ثم عُيِّن معيداً بالقسم عام1975م، وأكمل دراساته العليا، واختار مجال تاريخ المغرب والأندلس أسوة بكبار أساتذته، أمثال: الدكتور أحمد مختار العبادي، والدكتور سعد زغلول عبد الحميد، والدكتور السيد عبد العزيز سالم، وقد حصل على الماجستير في رسالة بعنوان: “دولة على بن يوسف المرابطى فى المغرب والأندلس” من كلية الآداب بالإسكندرية، بإشراف أ.د السيد عبد العزيز سالم 1980، ثم ترقى إلى درجة مدرس مساعد 1981.
ثم حصل على الدكتوراه بعنوان: “مجتمع قرطبة فى عصر الدولة الأموية فى الأندلس” من آداب الاسكندرية أيضاً وبإشراف أ.د السيد عبد العزيز سالم، 1984، ثم ترقى إلى درجة مدرس، ثم أستاذ مساعد 1990، ثم حصل على درجة الأستاذية عام 1995، ثم عين رئيساً لقسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية كلية الآداب جامعة الإسكندرية من عام 1996 إلى عام 2000.
في عشق المغرب والأندلس:
اشتهرت مدرسة جامعة الإسكندرية بتميزها في تاريخ المغرب والأندلس- كما ذكرنا- منذ تأسيس كلية الآداب وقسم التاريخ بها عام 1938، على يد المؤرخ الكبير عبد الحميد العبادي، وكتابه المؤسس “المجمل في تاريخ المغرب والأندلس”، وقد حاضر بها المؤرخ الفرنسي الكبير “ليفي بروفنسال”، وألقى سلسلة محاضرات قيمة قام على ترجمتها تلميذه الدكتور محمد عبدالهادي شعيرة، ثم جهود الدكتور الشيال.
ثم تسلم الراية بعد ذلك جيل يعد بحق المؤسس الحقيقي لهذه المدرسة العريقة بما له من جهود جبارة امتد أثرها في مصر والدول العربية، وهم الأساتذة: سعد زغلول عبد الحميد، وأحمد مختار العبادي، والسيد عبد العزيز سالم، ثم جاء بعد ذلك تلاميذهم الذين انتشروا في الآفاق من أمثال: محمد أحمد أبو الفضل، أحمد محمد الطوخي، وحمدي عبد المنعم – موضوع مقالنا- وكمال أبو مصطفى، وغيرهم …
عشق الدكتور حمدي عبد المنعم هذا المجال، وقرر أن يكمل المشوار فيه، متأثراً بأستاذه الدكتور السيد عبد العزيز سالم، وقد امتلك أدواته، فتعلم اللغة الإسبانية، وسافر في رحلات علمية عديدة إلى إسبانيا، وطاف في أرجائها وأطلع على المخطوطات والوثائق، والمدونات الإسبانية وكتابات المستعربين، وتلقى عنهم العلم مباشرة وصادق معظمهم …وتكون له زاد وفير أعانه في كتبه وأبحاثه فيما بعد، وكما ذكرنا- تخصص منذ البداية في تاريخ المغرب والأندلس، فكانت رسالته الأولى عن على بن يوسف بن تاشفين الذي ورث مملكة ممتدة الأطراف في المغرب والأندلس.
وقد عانى الدكتور في جمع المادة العلمية؛ لأن المرابطين رغم كفاحهم في نشر الإسلام في ربوع المغرب وإنقاذ الأندلس من السقوط الذي كان قاب قوسين أو أدنى، ورغم هذا فقد تعرضوا لإعصار الموحدين الذين استأصلوا شأفتهم كما فعل العباسيين مع الدولة الأموية في المشرق عام 132هـ ، ورغم هذا فلم ييأس ومضى في سبيل البحث قدماً، واعتمد على ما توفر لديه من المصادر العربية تاريخية، وجغرافية، وأدبية، كما اعتمد على المراجع الحديثة سواء العربية منها والأوربية التي تناولت تاريخ المرابطين من قريب أو بعيد.. ووضع أمام نصب عينيه منذ البداية أن يتعرض للتاريخ السياسي والحضاري في عصر على بن يوسف بن تاشفين.
وفي رسالته للدكتوراه والتي جاءت تحت عنوان “مجتمع قرطبة في عصر الدولة الأموية في الأندلس 138-422هـ/756- 1031م”، تناول الدكتور حمدي عبد المنعم دراسة المجتمع القرطبي خلال الفترة من قيام الدولة الأموية في الأندلس حتى سقوط الخلافة في قرطبة، وكان دراسة التاريخ المجتمعات الإسلامية حدثاً فريداً وقت إعداد الدكتور حمدي لرسالته التي انتهى منها عام 1984.
وكان جل الرسائل تتناول التاريخ السياسي والعسكري، حتى أن المؤرخين القدامى ركزوا على هذه الجوانب وأهملوا تاريخ الشعوب والمجتمعات اللهم من شذرات وجدت عرضاً في سياق سرد التاريخ السياسي وتاريخ الحروب والغزوات وتاريخ الملوك .. وقد دفعه إلى دراسة هذا الموضوع هو الإحساس بالدور العظيم التي لعبته مدينة قرطبة على مسرح الأحداث التاريخية في التاريخ الإسلامي بصفة عامة والتاريخ الأندلسي بصفة خاصة، وكالعادة يلجأ الدكتور إلى موضوعات بكر ومن الصعوبة بمكن، فقد ندرت الكتابات حول هذا الموضوع، وساعده السفر إلى إسبانيا في منح دراسية من المعهد الإسباني، ثم إيفاده إلى بعثة إشراف مشترك، قد هيأ له الاقتراب كثيراً من الأماكن الأحداث التي دارت فيها الأحداث، ثم توالت كتبه وأبحاثه بعد ذلك وتناولت تاريخ المدن، والأسرات، والظواهر الاجتماعية، والشخصيات التي أثرت على مسرح الأحداث، مثل “أضواء جديدة حول ثورات طليطلة: فى عصر الإمارة الأموية”، و”دولة بنى برزال فى قرمونة [404-459 هـ./1013-1067 م.]”،و”مدينة سلا فى العصر الإسلامي: دراسة فى التاريخ السياسي والحضاري”، و”ثورات البربر فى الأندلس فى عصر الإمارة الأموية: (138 – 316هـ / 756 – 928م)”، و”التاريخ السياسي لقلعة رباح ودورها فى حوادث الصراع بين المسلمين والنصارى”، و”فارس الأندلس غالب الناصري ودوره فى حوادث المغرب والأندلس”، و”ظاهره الزواج السياسي في الاندلس في عصر الدولة الأموية”، و”واضح الفتى الصقلبي ودوره فى حوادث الفتنة القرطبية”.
وكما له العديد من الكتب التي تناولت حقب التاريخ الأخرى في المشرق الإسلامي وكانت مصر في القلب من هذه الكتب ومن هذه الكتب نذكر، “محاضرات فى تاريخ الأيوبيين والمماليك”، و”نصوص تاريخية”، و”دراسات فى تاريخ الدول الاسلامية”، و”تاريخ الجزيرة العربية”، و”محاضرات في تاريخ مصر الاسلامية”، وغيرها..
وقد أشرف الدكتور حمدي عبد المنعم على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه في مصر والدول العربية ، وكذلك شارك في العديد من المؤتمرات في مصر والدول العربية..
هذا قليل من كثير عن شيخ مؤرخي جامعة الإسكندرية وجهوده لا يمكن أن تحصى في مقال .

 

 
* أبو الحسن الجمال- كاتب ومؤرخ مصري