صدر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي، المجموعة القصصية “نوافذ الضوء”، للكاتب محمد صالح البحر.
وتضم المجموعة سبع قصص قصيرة، في 123 صفحة من القطع الجاير.
وفيما يلي نقرأ معا إحدى قصص المجموعة، وهي بعنوان “المقعد الخالي”.
المقعد الخالي
لا شيء يحدث فـي الحيـاة لأول مرة، كل ما يحدث – وما سيحدث لاحقا – حدث بشكل أو بآخر من قبل، ومع ذلـك فإننـا لا نقدر على مقاومة الدهشة مع كل حدث جديد، ولا تتوانى عقولنا عن محاولات تجنب الكوارث، أو ملاحقة الأفراح.
وأنا أظل أسير حاملا فوق كتفي همومي وسعادتي، وأشرب من كليهما بحسب ما يقتضيه الحال.
الرجل الذي يواجهني على المقعد المقابل، لا يكف عن قضم أظافره بعصبية، أو النظر بخوف إلى كل الأشياء التي تتراءى له في المكان، وأنا لا أكف عن التحديق فـي المرأة التـي تجـاوره، كانت تتشح بسواد يتناسب مع الإضاءة الخافتـة للمكـان، لكنها ظلت بارزة، وعندما عجزت عن إخراج صورتها من نني عيني،
خلعت قفازها بأناقة، ووضعته بهدوء على يد المقعد الذي تجلس عليه. كنت أعرف أن اليد بداية، فملت برأسي للوراء حتى حضنت السقف بعيني، وقلت للرجل الذي تشكل فيه، هناك فـي المساحة المختبئة بين البياض والعتمة، إن العيون لغة، تتشكل حروفها من
الصمت، لكنها ستشكل مستقبل الإنسان الآتي، وإننا نفسد الحياة عندما نتكلم، حتى تصير مجرد خطأ عابر، نفقد فيه كل شيء.
الذين يتحدثون عن الانتحار لا يحبـون الموت، إنهـم يتلـذذون بالحزن، ويستعذبون أن يصيروا ضحايا في مواجهة العالم، كي لا تكشف الحياة عن ضعفهم الإنساني، وكان المرضى يتركـون مقاعدهم بانتظام شديد، وبترتيب صارم يدخلون في ذات الإضاءة الخافتة بحجرة الطبيب النفسي.
وأنا أظل أسير، حتى أصل إلى المقعد الخالي أمام النار
– أمام كل بار هناك دائما مقعد خال. أطلب كأسا لنفسي، وكأسا لضعفي الإنساني، ونظل هكذا حتى نتجاوز مرحلة التنميل التي تدغدغ أعلى الرأس، ونبدأ فـى الضحك معا، الشراب فـي جماعة أمر مهم جدا لكي أسمو فتلاحقني عينا ضعفي الإنساني حتى تفلحا في معانقتي، هناك فى
المساحة المختبئة ببن البياض والعتمة.
يرتكب الناس جرائمهم ومحبتهم فرادى، لكنهم يرتحلـون إلـى المنافي فى جماعات، وكأنهم يتلذذون بمشاهدة العذاب.
وأنا اخترت ألا أتوقف عن السير.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











