عرفت الدكتور عبد الله عزباوي من خلال مؤلفاته التي أجلت الرؤية عن فترات تاريخية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، فتعرض في كتبه وأبحاثه للحياة الفكرية والتاريخية في القرن الثامن عشر، وهو القرن الذي تعرض لإهمال من قبل المؤرخين، وإلى تهم معلبة بأنه ينتمي إلى قرون الظلام، ودراساته في هذا المجال لم تصدر عن عاطفة أو تحيز، ولكنها رصينه، فقد امتلك أدواته وسخّرها بدقة، ورجع إلى الأرشيف الزاخر، وإلى عشرات المخطوطات.
وقد شعرت بالحزن والأسى لإهمال الكتّاب والمؤرخين سيرة هذا العالم الجليل، فأخذت على عاتقي الكتابة عنه بالرجوع إلى سيرته الذاتية التي وفرها لي نجله العزيز، كما رجعت أيضاً إلى بعض مؤلفاته وأبحاثه.
وينتمي الدكتور عبد الله محمد عزباوي إلى المدرسة المصرية التي تخصصت في تاريخ مصر العثمانية، والتي أرسى دعائمها الأستاذ الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، اعتمادا على الأرشيف العثماني ووثائق المحاكم الشرعية، وعلى المصادر التي كان أغلبها مخطوطاً في هذا الزمان، وذلك بعدما ظلت الدراسات في هذا المجال عالة على ما يطرحه الغربيون من دراسات، وقد كان بعضها مغرض، لأسباب تخص الدولة العثمانية نفسها؛ التي افتتحت النصف الشرقي من أوربا، وظلت تسيطر عليه حتى مطلع القرن التاسع عشر، وظل لها نفوذ في أوربا حتى سقوط الدولة العثمانية عام 1924، فعمل الدكتور عزت عبد الكريم على إيجاد هذه المدرسة وتشجيع الباحثين على طرق موضوعات تخص هذه الفترة التي ليست بالقصيرة في تاريخ مصر، فقد امتدت لخمسة قرون، وقد بلغت هذه المدرسة شوطاً كبيراً بفضل الدراسات التي قدمتها، والتي قام بها المؤرخون أمثال: عبد العزيز الشناوي، وعبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، و نيللي حنا، وعمر عبد العزيز، وصلاح هريدي، وعبد العزيز عزباوي – موضوع مقالنا-
ولد عبد الله محمد عزباوي في العاشر من يوليو سنة 1942، في قرية “ونينة” بمركز سوهاج بمحافظة سوهاج، ثم انتقلت به الأسرة بعد ولادته مباشرة إلى القاهرة، والدكتور عزباوي هو أصغر أخوته وقد توفيّ والده وهو لم يبلغ الخامسة بعد، وكفلته والدته التي حرصت على تعلمه؛ فهو الوحيد من أخوته الذي وصل إلى مرحلة التعليم العالي وحصل على مؤهل جامعي، ثم أكمل دراساته العليا رغم الظروف الصعبة التي واجهته منذ أن كان طفلاً صغيراً.
نشأ في حي بولاق وتعلم في مدارسه، ثم التحق بكلية الآداب بجامعة عين شمس واختار قسم التاريخ الذي أحبه منذ الصغر، وكان من أساتذته: الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، وعبد المنعم ماجد، وجمال زكريا قاسم، وصلاح العقاد، ويونان لبيب رزق، ثم حصل على الليسانس في التاريخ عام 1963 بعدها عين مدرساً للدراسات الاجتماعية في مدارس وزارة التربية والتعليم في الفترة من 1963- 1977، ورغم عدم تعيينه بالجامعة إلا أنه أصر على إكمال دراساته العليا، فحصل على الماجستير من كلية الآداب جامعة عين شمس عام 1971، ومن نفس الكلية حصل على درجة الدكتوراه عام 1976، ولما افتتحت كلية التربية بالفيوم عام 1977، عين مدرساً للتاريخ الحديث والمعاصر 1977، ثم أستاذاً مساعداً عام 1982، ثم أستاذاً عام 1987، وقد عين رئيساً لقسم التاريخ بالكلية في الفترة 1985 وحتى 2001، ثم وكيلاً لكلية التربية حتى بلوغه سن المعاش عام 2002. وهو بالتالي من المؤسسين الأوائل للمدرسة التاريخية في جامعة الفيوم.
عمل الدكتور عبد الله عزباوي في المعاهد المتوسطة بالرياض من عام 1980 إلى 1985، ثم عاد إلى مصر ليتولى رئاسة قسم التاريخ والحصول على درجة الأستاذية، كما عمل بكلية الآداب بجامعة العين بالإمارات خلال الفترة من 1988 إلى 2000، ورغم الحفاوة التي قوبل فيها في الإمارات إلا أنه اعتذر على الاستمرار في العمل هناك لظروف عائلته، لأنه كان يجد صعوبة في الحياة بعيداً عن الأسرة، لذلك كان يقضي أغلب إجازاته في مصر كالأعياد والمناسبات الوطنية، ومن ثم وجد أن السفر ليس له عائد اقتصادي..
وتتلخص جهود الدكتور العزباوي في النقاط التالية:
1- أثبت أن القرن الثامن عشر لم يكن قرن الظلام، ولكنه قرن سادته نهضة علمية في العلوم النقلية والشرعية والتطبيقية، وبدد الزعم التي استقر في الأذهان طويلاً أن النهضة لم تشهدها مصر إلا مع مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر في نهاية القرن عشر، وقد بدأ في هذا المجال في رسالته للدكتوراه عنوانها “الحركة الفكرية في مصر في القرن الثامن عشر”، وقد استل منها أكثر من كتاب وبحث مثل: “المؤرخون والعلماء في مصر في القرن الثامن عشر”، على خمسة فصول تهتم بالمؤرخين والعلماء في مصر في القرن الثامن عشر، وهذه الفصول هي: الفصل الأول: “التعليم في الأزهر”، الفصل الثاني “على التاريخ قبل الجبرتي”، الفصل الثالث “الجبرتي ومعاصرة”، الفصل الرابع:”مكانة العلماء في المجتمع”، الفصل الخامس والأخير: تيار التجديد الفكري وهذا الفصل اهتم بدراسة عدة موضوعات مثل: سمات الحركة الفكرية في مصر في النصف الأول من القرن الثامن عشر ومدى مسؤولية الأتراك العثمانيين عن ذلك، ومدى صحة الرأي القائل بتدهور الحركة الفكرية في مصر في ذلك الوقت وضعفها عن العصر المملوكي.
وقد تتبع هذا الفصل نمو تيار التجديد في مصر في ذلك القرن، فناقش العوامل التي أدت إلى هذا النمو، ومظاهر هذا التيار، وأهم العلماء الذين ساهموا فيه ودور كل منهم في نمو هذا التيار، كذلك ناقش صدى صحة الرأي القائل بأن حركة التجديد في مصر لم تبدأ إلا في أثناء الحملة الفرنسية على مصر في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وقد اعتمدت هذه الدراسة على عدة مصادر أهمها: أولاً: مؤلفات علماء القرن الثامن عشر في مختلف العلوم، ثانياً: إجازات شيوخ القرن الثامن عشر وأسانيدهم: وهي بمثابة شهادات علمية للعلماء، وتحوى أسماء الشيوخ الذين أخذ عنهم الشيخ، كتب التي قرأها عليهم.
وتحوي هذه الإجازات أو الإثباتات بعض الأحيان، على أسماء مؤلفات الشيخ. ثالثاً: كتب التراجم، وتكمن أهمية هذا النوع من المصادر في أنها تعطي صورة واضحة للعلماء من حيث تاريخ ولادتهم ووفاتهم، وأساتذتهم والكتب التي قرأوها ومؤلفاتهم التي ألفوها، رابعاً: الوثائق: وقد اعتمدت هذه الدراسة على نوعين من الوثائق بعض منشور ولبعضها الآخر غير منشور كوثائق المحكمة الشرعية المحفوظة بمصلحة الشهر العقاري بالقاهرة. خامساً: كتب الرسالة العرب وأهمها “الحقيقة والمجاز في رحلة الشام ومصر والحجاز” للشيخ عبد الغني النابلسي.
ثم كتابه “الفكر المصري في القرن الثامن عشر بين الجمود والتجديد“، ويتتبع تيار التجديد فى الفكر المصرى من خلال حركة التأليف فى مصر فى القرن الثامن عشر فى العلوم النقلية، كالعلوم الدينية واللغوية والعلوم العقلية كالفلسفة، والرياضيات، والفلك، والكيمياء، والطب، والجغرافيا، ويركّز بشكل خاص على علم التاريخ، وأهمية مثل هذه الدراسة أنها تفسر السر فى قبول عملية التحديث التى عرفتها مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وأن محمد على مؤسس الدولة الحديثة فى تلك البلاد لو لم يجد أرضاً قابلة لاستنبات الفكر الجديد لما نجحت محاولته، فى الجانب الثقافي على الأقل، الذى قام على بناء التعليم المدني الجديد والانفتاح على أوربا، ثم في أبحاثه الأخرى مثل: “الجبرتي وشيوخ القرن الثامن عشر”، و”علاقات مصر الثقافية بين مصر ودول البحر الأحمر في القرن الثامن عشر”، و”الروابط الثقافية بين مصر والمغرب العربي في القرن الثامن عشر”، و”الشوام ودورهم في المجتمع المصري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، و”الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام 1798-1801 في ضوء الوثائق التركية”.
2- كما تنبه إلى العربان في تاريخ مصر في العصر الحديث في بحثه “عربان الفيوم زمن الحملة الفرنسية”.
3- وقد شغلت حرب فلسطين مساحة كبيرة من منجزه التاريخي، فهي قضية العرب الأساسية على مدار سبعة عقود وستظل حتى تحل حلاً جذرياً، وقدم الدكتور عزباوي العديد من الأبحاث في هذا المجال منها: “الانعكاسات السياسية لحرب فلسطين 1948 -1949 على مصر”، و”الانتفاضة الفلسطينية من خلال رواية حالم بفلسطين لرائدة غازي- ندوة الثورة والتغيير في العالم العربي”.
3- المشاركة في المؤتمرات التاريخية: وخلال رحلته شارك الدكتور عبد الله عزباوي في العديد من المؤتمرات العلمية، في الجمعية التاريخية المصرية واتحاد المؤرخين ببغداد، ثم عندما انتقل إلى القاهرة، وفي المجلس الأعلى للثقافة، ودار الكتب المصرية، وكلية الآداب بجامعة عين شمس، وكلية الآداب بالزقازيق، وجامعة الفيوم مثل: مؤتمر عن الثورة العرابية بمناسبة مرور مائة عام على اندلاعها، وندوة علي مبارك، وندوة البحر الأحمر في التاريخ والسياسة، والعلاقات المصرية السعودية، و40 عاماً على تأميم قناة السويس، وندوة الفيوم عبر العصور، و”الندوة الدولية للاحتفال بذكرى محمد حسين هيكل”، و”الحملة الفرنسية على مصر 1798-1801 دراسة تقويمية”، وغيرها.. كما أشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه.
4- وقد عرف الدكتور العزباوي ما لوسائل الإعلام من الصحافة والإذاعة والتليفزيون من دور مهم ومؤثر لدى المتلقي، فشارك في برامج إذاعية في صوت العرب، والتليفزيون المصري، كما كان له مقال أسبوعي بصحيفة “الأهرام المسائي”..
الأيام الأخيرة:
في الفترة الأخيرة من حياته كان يستعد لترجمة رسالته للدكتوراه إلى اللغة الألمانية بعد تواصل إحدى الجامعات الألمانية معه من خلال جامعة الفيوم ولكن المشروع توقف بسبب مرضه ودخوله المستشفى، وعلى المستوى الإنساني كان الدكتور عزباوي محبوباً من أساتذته وزملائه وطلابه، وكان طلاب الدراسات العليا يزورونه في بيته باستمرار فيستقبلهم بحفاوة ويوفر لهم ما يريدونه من كتب وأبحاث ولا يبخل عليهم بالنصيحة والتوجيه، حتى في مرضه الأخير ودخوله المستشفى كانوا لا يكفون عن زيارته وكان يسعد بهم دوماً يتناقش معهم بذهن صاف.. وكان أقرب أساتذته وأصدقائه الدكتور صلاح العقاد، والدكتور يونان لبيب رزق، وكان يحرص على حضور سيمنار التاريخ بكلية البنات بجامعة عين شمس كل يوم خميس، وكان يشرف عليه الدكتور يونان، ثم يخرجوا ثلاثتهم لإكمال السهرة وتناول العشاء بمطعم “إمفتريون” بمصر الجديدة، وقد تأثرت حالته النفسية بعد رحيلهما.
وقد كرّم الرجل في حياته أكثر من مرة في الجامعة، كما حصل على تكريم من جمعية الزعيم أحمد عرابى بالشرقية لمؤلفاته عن الثورة العرابية.
ورحل الدكتور عبدالله محمد عزباوي في 20 يونيو سنة 2016.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











