ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب قصة “مقعد بالحديقة”، للكاتبة نيللي عبدالعزيز.
“مقعد بالحديقة”
دخل ناصر الحديقة في موعده بعد صلاة العصر، اتجه مباشرة نحو المقعد الرخامي العتيق بخطى متمرسة وذهن شارد، جلس مثبتا نظره على الأرض لنصف ساعة تقريبا ثم جال ببصره يمينا ويسارا يتفقد الوضع، خُيل إليه أن البساط الأخضر من حوله أصبح صحراء قاحلة وأن الزهور الزاهية ذبلت وهُييء إليه أن الطيور قد هجرت أعشاشها بلا رجعة، حتى البحيرة بدت أمامه جافة بلا ماء، لم يتحمل الوضع لأكثر من ذلك فتحامل على ركبتيه المسكينتين لما تحملاه من جسد سمين قاصدا منزله وحبس نفسه في غرفته لم يغادرها حتى موعد عمله صباح اليوم التالي.
بعد انتهاء ساعات العمل وتأدية صلاة العصر بالمسجد كعادته وقف في منتصف الطريق حائرا، هل يعود للبيت مباشرة أم يتجه للحديقة كعادته، لكن الأمر لم يستغرق الكثير من الوقت للتفكير فدون أن يشعر وبصورة لا إرادية وجد نفسه جالسا بالحديقة على مقعدهما الأثير، لكن هذه المرة لم يكن قادرا على التحكم بمشاعره ففاضت دموعه غزيرة وأخذ ينتحب بشدة، وكيف لا! فسعيد لم يكن أبدا صديقا عاديا، لقد كان جزءا من روحه تسكن جسدا آخر، جسد واراه التراب بنفسه منذ أسابيع كئيبة مرت كالدهر.
كانا جارين الباب في وجه الباب، ماتت أم ناصر فور ولادته فأرضعته أم سعيد فأصبحا أخوين بالرضاعة، تشابكت أقدارهما منذ لحظة الولادة فتقاسما معا سنين العمر، براءة الطفولة وفورة الشباب حتى إنهما نظما معا الحملة الشعبية المناهضة لإزالة هذه الحديقة العتيقة فهي الرئة والبهجة الوحيدة لبلدتهما الأسمنتية البائسة في قلب الصعيد، ولما نجحت الحملة وصدر القرار بالإبقاء على الحديقة كادا يلامسان السحاب يأيديهما من فرط السعادة ونشوة الانتصار الذي اعتبراه فيما بعد انتصارهما الوحيد بهذه الحياة، فكما تقاسما معا السعادة تشاطرا الهموم وخيبة الأمل بعد التخرج لندرة فرص العمل الحقيقي ببلدة منسية انعدم بها التنافس والطموح منذ زمن، فقبلا بوظيفة حكومية بدائية قتلت كل حلم اعتمر رأسيهما في يوم من الأيام واستسلما لروتين يومي لم يتغير، يذهب كل منهما لعمله في الصباح، يؤديه برتابة وملل، يخرجان لصلاة العصر ثم يحين موعد اللقاء المحبب على مقعدهما الرخامي بالحديقة، يتبادلان أحداث اليوم، حكايات الزملاء، يتكلمان عن طموحات المستقبل التي انحسرت في وضع القرش على القرش ليستطيعا الزواج.
كان سعيد حالما يهيم عشقا بصديقة أخته وتبادله هي الأخرى المشاعر، طوال الوقت يدندن بأغاني الحب، يحاول كتابة الأشعار العاطفية ليتغزل في حبيبته، أما ناصر فكان يسخر دوما من قلب سعيد الرقيق وكان عمليا لدرجة كبيرة فوقت أن قرر الزواج كلف أم سعيد بمهمة البحث عن عروس بنت ناس طيبين وتزوجها وانتهى الأمر ولم يكن ليعنيه عتاب سعيد له لأنه تزوج بلا مشاعر.
وفجأة تزوجت محبوبة سعيد من تاجر ميسور دون حتى أن تكلف نفسها عناء اختلاق أعذار تقدمها له فاتخذ قراره بالإضراب عن الزواج، كان وقتها قرارا متوقعا من إنسان حساس تلقى طعنة غادرة في قلبه لكن غير المتوقع أنه ثبت على قراره ولم يثنه عنه إلحاح صديقه أو دموع أمه.
بعدها لاحت لناصر في الأفق فرصة عمل في الخليج كانت ستنقله هو وأسرته نقلة مادية كبيرة خاصة بعد إنجابه لأربعة من الأولاد وزيادة الأعباء عليه لكنه رفضها بكل أريحيه ليبقى جوار صديقه ويؤنس وحدته بعد أن رفض سعيد فكرة السفر تماما حين وعده ناصر بأنه سيسافر أولا ويبحث له عن فرصة ليلحق به هو الآخر، كان سعيد مثل السمك لا يعيش إلا في بيئته، فاتخذ ناصر قراره بأن يبقى متحملا لوم زوجته الشديد الذي جعله يغضب منها لوقت طويل ولكنه كان وعدا بينهما ألا يترك أحدهما الآخر فريسة الوحدة.
تذكر ناصر هذا الوعد أثناء نحيبه وهو يجلس وحيدا على المقعد فأخذ يردد بصوت مذبوح: لقد خنت العهد ياسعيد، لم تركتني وحدي يا صديقي؟
وعندها شعر بيد حانية تربت على كتفه فتلفت وراءه ليجدها زوجته.
– ملك! كيف عرفت أني هنا؟
– وهل كنت تتخيل أن زوجتك بقيت لست وعشرين سنة لا تعلم أين تذهب يوميا بعد عملك من صلاة العصر لقرب المغرب! عندما سألت ببداية زواجنا قلت لي إنه ليس من شأني فحزنت وشككت بأمرك ثم هداني عقلي لأن أراقبك حتى عرفت أنك تجلس مع سعيد رحمه الله فاطمأن قلبي، لكن لماذا كنت تخفي عني ذلك يا ترى؟
أجابها وهو يمسح دموعه: لا شىء، فقط كنت أشعر أنه سري الصغير، جزء من حياتي غير مستباح يخصني وحدي، مجرد شيء يشعرني بالأهمية والغموض لا أكثر.
– ولماذا لم تتقابلا على القهوة كبقية الأصدقاء يا سيدي الغامض؟
– هذه الحديقة جزء من كياننا، معشوقتنا منذ الطفولة، هي نافذتنا على العالم الوسيع بعد أن شعرنا بضيق محيطنا حين تم خنق كل حلم لنا في وظيفة حكومية مملة بلا طموح، كنا نثرثر، نضحك، نشكو، نتألم، نحلم بفرص عمل لم تأت، نخطط لأسفار لم نقم بها يوما لضيق ذات اليد، تستطيعين القول بأن هذه الحديقة بمثابة مساحة الحلم الوحيدة الباقية والمسموح بها في بلدتنا المغلقة.
– ولكن فرص العمل الجيدة جاءت وأنت من رفضتها!
– هل ستغضبينني منك مرة أخرى!
– لا ، لا تغضب من فضلك، وعموما لقد مر وقت طويل على ذلك.
– أرجو أن تفهميني، لقد كان سعيد ملاذي وراحتي، أنيس الرحلة ورفيق السفر، فكيف أتركه وأذهب!
– رحمه الله، بقدر ما كنت أحبه بقدر ما كنت أغار منه.
– تغارين منه!
– ألم تسمع نفسك وأنت تنعته بأنيس الرحلة ورفيق السفر، ألم أكن أنا الأولى بهذه الأوصاف الجميلة؟
فرد متحرجا: ذلك فقط لأنه كان قادرا على تحملي في كل أحوالي، وكنت أستطيع البوح له بكل ما بداخلي.
– مثل ماذا؟
– أي شىء.
– كنت تشكو له مني مثلا؟
اجاب بحذر: ليس بالضبط ولكن هل يوجد زواج بلا منغصات!
– لا، ولكنني أعتقد أننا لو كنا حرصنا منذ بداية علاقتنا على مد جذور الصداقة بيننا وتعودنا على البوح لبعضنا البعض لأصبح حالنا أفضل والرابطة بيننا أقوى.
– لا أعرف، ولكن هل يجوز مثلا أن أشتكي لك منك؟
أجابت بمرح لإصرارها على كسب هذه الجولة: نعم، ألم تسمع الست وهي تقول أنا أشكي إليك منك، يااااا حبيبي.
فضحك ولمعت عيناه للمرة الأولى منذ وفاة سعيد وبادلته هي الضحك ثم قالت: كنت أظنك قاطعت الحديقة إلى أن تأخرت بالأمس بعد ساعات عملك فأدركت أن فرصتي قد حانت.
– أي فرصة؟
– فرصتي بأن أصبح رفيقة مقعد الحديقة.
فعقد حاجبيه مندهشا وقال: فعلا!
– فعلا، يوميا بعد صلاة العصر ستجدني هنا بانتظارك ولكن بشرط.
– هناك شروط أيضا!
– طبعا، فلابد أن تنسى أني ملك زوجتك وأم أولادك، أنا من اليوم صديقتك، كن على حريتك وهات آخر ما عندك.
– لا أصدق ما أسمعه منك! كما أخشى أن نكون غير قادرين على التنفيذ.
– محاولة إن لم تنجح لن تضر ولكن نجاحها سيعيد رسم خطوط علاقتنا بشكل جديد، فما رأيك؟
– لقد نقلتِ إلي حماسك فلنبدأ من الغد.
وتعددت لقاءات الحديقة، في البداية كان ناصر شديد التحفظ ويشعر بالكثير من اللخبطة والتضارب بالمشاعر مما أثر على انطلاقه في الحديث تأثيرا سلبيا ولكن ملك كانت خير معين وأذكى مما توقع فعندما ترى تلعثمه وتردده في الكلام تأخذ على الفور دفة الحديث ناحيتها وتسترسل في الحكي عن نفسها وعن كل ما تحلم به حتى باتت صراحتها وعفويتها تشجعه على الاسترسال هو الآخر دون تحفظ، يوما بعد يوم أصبح الكلام أسهل واستطاع كل منهما أن يواجه الآخر ويناقشه في كل تصرف أو طبع يكرهه منه ويأخذ وعدا بمحاولة تعديل السلوك لمراعاة مشاعر شريكه، كما أنهما وللمرة الأولى منذ زواجهما أصبحا قادرين على فتح موضوعات للحوار خاصة وعامة والاستمرار في الكلام معا لأوقات طويلة.
مرت سنة على وفاة سعيد، اليوم قررت ملك أن يذهبا معا لقراءة الفاتحة على قبره بدلا من الذهاب للحديقة، امتنَ ناصر كثيرا لاحترامها ذكرى صديقه.
في اليوم التالي وأثناء جلستهما على المقعد قال ناصر: أتعرفين يا ملك أن الذهاب للإسكندرية ورؤية البحر هي أمنيتي منذ الطفولة التي يبدو أنها لن تتحقق أبدا.
– ولماذا لم تذهب إنها الإسكندرية وليست باريس!
– أخذت القرار ذات مرة ورسمت برنامجا للرحلة يتضمن المبيت ليلة بالإسكندرية لأتمتع برؤية البحر صباحا ومساء وعندما حدثت سعيدا بالأمر أقنعني بأن المبيت بفندق ترف لا نملكه فأُجهضت الفكرة في مهدها وذهبت مع الريح.
– غريبة جدا! ألم يكن هناك مكان متواضع للمبيت يناسبكما! ألم تقدرا على السفر بالقطار فجرا وترجعا ليلا بعد أن تحقق لنفسك هذه الأمنية البسيطة وأنتما شابان قويان موفورا الصحة! عموما سوف نفعلها أنا وأنت الجمعة القادمة.
– نظر إليها باسما وقال: أنت مجنونة!
– لا أنا فقط أريد أن أحيا ولسوف تحيا معي.
– يا سيدتي العزيزة إن لدي ركبتين ضعيفتين تحملاني بصعوبة فكيف أتحمل مشقة هذا الطريق الطويل ذهابا وإيابا في يوم واحد؟
– أولا سوف تتحمل لتحقق أمنية غالية، ثانيا إنك حين ترى البحر سيزول عنك كل التعب ، ثالثا أنت تعرف أن ألم ركبتيك سببه الزيادة بالوزن وقد نصحك الطبيب بممارسة رياضة المشي لساعة يوميا وذلك منذ خمس عشرة سنة وأنت لم تفعل فلا تظلم هاتين الركبتين لأنك أنت من قصرت في حقهما.
– وهل في بلدتك العظيمة هذه مكان واحد أو حتى شارع محترم لأمشي فيه؟
– هل أجيبك بصدق وتعطيني الأمان؟
– طبعا فأنت صديقتي الآن.
– إذن انظر حولك لو سمحت.
فتلفت يمينا ويسارا قائلا: ماذا يوجد حولي! مجرد حديقة!
– بالفعل أنت في حديقة رحبة تزورها يوميا منذ وعيت وكنت تستطيع دوما أن تمارس بها رياضة المشي لتكسب صحتك، خضرة وماء وهواء نقي، لكنك آثرت جلسة المقعد يوما بعد يوم وتقبلت الأمور على علاتها دون أدنى محاولة للتغيير، بقيت بعمل تكرهه حتى لا تتحرك من على المقعد، دخل محدود حتى لا تسافر وتترك المقعد، أماني مؤجلة وأسفار تلغى وأحلام تتحطم حتى لا تفارق المقعد، جسد يضعف وعضلات تتأذى وركب تئن ولكن المهم هو المقعد، علاقة زوجية هشة وباهتة يهددها الصمت ويسودها عدم التفاهم لسنوات طويلة وكله إلا المقعد، ولكن لم نظلم المقعد؟ إنها السلبية التي كانت متأصلة بشخصية سعيد، إنسان مستسلم لكل أقداره لم يمتلك من الإرادة مثقال ذرة يحاول بها تغيير واقعه بل على العكس كان يتصدى لكل موجات التغيير بكل قوة، كأنه يعتبر سلبيته شيئا مقدسا لا يمس، كانت سلبيته مرضا معديا فانتقل إليك وأنت الآخر تقبلتها بكل أريحية فلم تقاوم أو تحاول مواجهته ليفيق، كان بإمكانك أن تنجو بنفسك من براثن روتين مسمم يسرق عمرك وقدراتك، كان بإمكانك أن ترسم لصداقتكما حدودا سليمة حتى لا تؤذي نفسك ولكنك استكنت معه لجلسة المقعد، استكنت لجلسة السلبية وانعدام الطموح.
خرجت منها الكلمات كالطلقات المدوية دفعة واحدة وبعدها ساد صمت مخيف يحبس الأنفاس حتى تظن أن الطيور هي الأخري كفت عن التغريد، كانت تنظر إليه بحذر كمن ينتظر حكما بالإعدام، عاتبها عقلها على تهور لسانها فمن الممكن الآن أن تفقده بعد أن استردته أخيرا لكن شيئا داخل قلبها كان يشعر بالانتصار والراحة.
وفجأة هب ناصر واقفا وشدها من يدها بقوة قائلا بحزم: هيا بنا.
سألته بصوت مرتعش: إلى أين؟
– إلى محطة القطار لنحجز تذكرتين للإسكندرية فقد حان موعد مغادرة المقعد وسوف تكونين أنت أنيس الرحلة ورفيق السفر.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











