صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجموعة القصصية “أحلام في الطراوة” للكاتب نبيل عبد الحميد.
من أجواء المجموعة ننشر قصة “بني آدم دماغ”:
ينظر أبو الروس إلى الحمار ساهماً.
شغال يأكل فى نهم.. يدفع منخاره فى كوم البرسيم ويتشمم.
ينتقى الأعواد المرعرعة بشفتيه الغليظتين ويلملمها بحرفية إلى داخل
فمه.. وينفر منها جانباً مالا يدخل مزاجه.
وتطحن الأسنان فى رتابة متمهلة يتقاطر صوتها مع حبات اللعاب الخضراء على كوم البرسيم.
يرمش أبو الروس عينيه ويمد عروق رقبته.
الحمار ما يزال هناك فى نفس المكان منذ الأزل.
ما الذى جرى للحمار؟.. ما هذا؟.
وتزحف البلاهة على غضون ملامحه.
يرى بطن الحمار ينتفخ والرأس يتقلص.
أهذا حماره بالفعل؟.
ويزعق ساخطا فى وجه الحمار.
أأنت حماري؟ انطق يا بجم.!
هل سرق أحدهم حماره ووضع مكانه هذا الشىء؟.
وتتمرغ موجات الهلوسة فى دماغ «أبو الروس».
يرى بطن الحمار يزداد انتفاخاً ليصبح بطن فيل.
– أبو الروس عنده فيل يا ولاد المركوب.!
هل يستطيع أن يركب الفيل..؟
يحك الشعيرات العشبية فى جلد رأسه شارداً.
هو يفهم فى كار الحمير.. ولكن مسألة الأفيال هذه فيها كلام.!
الحمار يصفع الذباب بأذنيه الطويلتين وينفض رقبته فى تشنج.
يتطاير الذباب ويحط على مؤخرته فيلاحقها بذيله.
يشد أبو الروس من طرف البوصة المقطرن بكل عافيته.
تتوهج أضلاعه ويرتعش جوفه.
يطلق صاروخ الدخان فى وجه الحمار قبل أن تتخاطفه شرقة السعال.
تدور أمامه أطلال الزريبة وتتخابط فلا يجد ما يتعلق به قبل أن تطلع روحه.
الحمار يكتم ضحكته ويتمايل برأسه منسجماً.
يوسع فتحتى منخاره ويتلقف صاروخ الدخان فى سلطنة ثم يغمض عينيه ويتوه فى الملكوت.!.
يزعق أبو الروس.
– أصح للصنف يا حمار.. عمر أهلك ماذاقوه.
تتشرع أذنا الحمار فى حركة رادارية وتدهس حوافره كوم البرسيم.
يباغته بنفرة رذاذية فيحتقن وجه «أبو الروس».
– أتفو على صنف تربيتك.!.
يأتيه صوت أم الروس تعارك نفسها فى شبورة هياج.
يركن الجوزة ويشخص تائها بعينيه.
يمد جذعه إلى الأمام ويتحرك على أربع.
خطوتين وينكفئ على الأرض.!
يرفع نفسه بأطراف مرتعشة فتصطدم عينه بعين الحمار.
ينظر بداخلها ويبحلق.
يتسع ويتسع سوادها الغويط ويبتلعه.
يتهادى لائذا بجوف الظلام.
– دارنى يا حمار وخليك راجل.
ويلاحقه صوت أم الروس المسلوخ.
– بتكلم الحمار يا راجل؟.. بتقول له إيه؟.
يغمز أبو الروس للحمار فى تخابث.
– آهو عندك..! إسأليه بمعرفتك.!
تهيج ملامحها وهى تخطف ذيل جلبابها المتناسل عند الصرة وتمسح عرق وجهها ورقبتها.. تتعرى الهلاهيل الداخلية فاضحة تجاعيد الأخاديد السمراء فى بدنها.
تدور عيناها بحثا عما تقذف به الرجل.
– الحمار بيعمل بلقمته وأنت بارك لنا كالعمل الرضى.!
ينظر أبو الروس من تحت ذراعه فيرى وجه البومة يطير من حائط الخرابة ويحملق فيه.
تنقض يداها على رقبته فى غل.
– قم حمّل الحمار يا حمار.!
وتنهال سياط صوتها على رأسه متلاحقة تندب وتولول فى سعار.
رواتب الزبائن، وأذان الظهر، وشوال الدقيق، وغموس العيال، ووابور الطحين، والقطران الذى تشربه.. و.. و..!
يجاهد أبو الروس فى خلع مؤخرته من الأرض.
يمصمص شفتيه وتتحشرج ضحكته.. فماذا يفعل وهى مغراة بالأرض؟.
ترفع أم الروس خرج العيش إلى ظهر الحمار فى مجاهدة.
تقوم قبل الفجر وتعجن وتخبز وتعبئ الأرغفة فى الأكياس.
وحدها تفعل كل يوم.. كل يوم.!
حتى عليقة الحمار تضعها بنفسها.. تزوم بداخلها.
– بنى آدم عديم الفائدة فى كل شىء.. كل شىء.!
من هناك يتهادى سابحا فى الفضاء نهيق حمارة نغماش.
ناعماً فى طراوة الحرير.
متناغما فى شدو البلبل ومسحوبا فى شهقة الأنوثة.
يتكهرب حمار أبو الروس وتركبه عفاريت الأرض.
يتشنج وتتبادل حوافره رفس البرسيم.
يشرع منخاريه ويغمض عينيه مستحلبا صوت النهيق فتهيم الرأس فى الملكوت.
تنتفض فجأة خلفيتيه ضاربة الهواء بكل قوتها بينما يطلق نهيقا عاصفا، مطيحا بخرج العيش إلى الأرض.!
وتصرخ أم الروس بكل فزعها.
مستميتة فى إنقاذ الأرغفة من دهس الحوافر المجنونة.
يندفع هياج الحمار مرتطماً بالمنقد والأوانى والفأس وبستلة المياه وماجور العجين وحزم البوص ناطحا برأسه ألواح الباب فى عنف شديد، طائرا عدوا.
تتشمم حمارة نغماش رائحة الهواء الآتى من هناك.
تطيح بغبيط السباخ وتظل تمروح ذيلها وتتراقص بأرجلها فى نشوة طاغية، غير عابئة بصراخ الواد ابن نغماش الأعرج ولا بلسعات شمروخه على بدنها.
وتمشى خطوة بخطوة فى دلال متأود.
تتمخطر وتتباهى بنفسها.
تنظر أم الروس إلى حطام الباب فى حسرة.. تلملم أرغفة العيش وتنفض عنها التراب والطين.
يناوشها أصوات جاراتها من الخارج فتندفع فى غيظ.
النسوة يتبادلن نظرات متوثبة لناحية شجرة الشيخ سلامة.
حمار «أبو الروس» وحمارة نغماش فى لقاء غرامى مشبوب.
تهبش أم الروس طرحتها وتنثر جدائل شعرها على كتفها وهى تلوح بجريدة نخل فى يدها.
– يا حوش.؟ إتفو عليكم.!
وتهرول إلى هناك تضرب بدن الحمار فى عشوائية لتبعده عن حمارة نغماش.
تدمى لسعات الضرب المتلاحقة رقبته وظهره.
يطلق نهيقا متأسيا يستدر دموع رفيقته.
تنسحب فى انكسار وعينها معلقة به.!
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











