أخبار عاجلة

العجوز محاربًا.. ننشر إحدى قصص محمد عبد المنعم زهران

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة “العجوز محاربًا”، وهي إحدى قصص مجموعة “حيرة الكائن”، للقاص الراحل محمد عبدالمنعم زهران، والتي حازت جائزة الشارقة للإبداع العربى فى القصة القصيرة عام 2000.

العجــــوز محــــــاربًا

فتح الباب، فاندفع تيار من الهواء الليلي البارد في وجهه. جفل وتصلب في مكانه، بعد قليل خرج منكمشًا. حمل الهواء الرائحة فالتقطها بأنفه، عرف أنها بعيدة وتأكد أنها تقترب، وبعد قليل تملأ المكان كله. تلفت في العتمة التي تلف الواحة النائمة، كل شيء هادئ، ساكن كجسد فارقته روح.
مشى ببطء دونما هدف، أنصت للكائنات الليلة، أصواتها تتصاعد من كل أنحاء الواحة، مغمورة بالوحشة. وقف مواجهًا الريح، رفع رأسه في السماء وأغمض عينيه، استغرق دافعًا إلى رئتيه بكميات إضافية من الهواء.. مرهفًا أنفه، سكن تمامًا. كتمثال حجري بدا منتصبًا في العراء نحيفًا، وبتجاعيد متكاثفة في وجهه، يلاعب الهواء أطراف سرواله وجلبابه القصير.. استكانة ظاهرة تخفي طيفًا مجزأ في عناصر الطبيعة، كأنه جزء من مجموعها الكامل، فتتقابل إيماءاتها وشفراتها الخفية مع القدرة على الفهم والتوحد والصفاء. فتح عينيه، مشى ببطء متتبعًا الرائحة التي قبض على خيطها، غاب في تموجات الأزقة المظلمة.
كانت الرائحة قد أيقظته، نهض مفزوعًا من فراشه حين لامست أنفه. أراد أن يرتدي جلبابه بسرعة، لكنه مع ذلك استغرق وقتًا، فكر أن يوقظ أولاده، نادى بصوت منخفض، وحين أدرك أن كلًّا منهم مطمور في حضن امرأته اتجه صوب الباب مباشرة.
تكتم الرمال وقع أقدامه، حتى لتبدو حركته جزءًا من الصمت والظلام وبرودة الرياح. أحيانا يقف فجأة، يرتكز بعصاه في الرمال ثم يعاود السير في الاتجاه الذي تدل عليه أنفه. كانت الرائحة تقترب، تطلع إلى النخيل الذي يحيط الواحة وتهيأ له أن رؤوس النخل محاطة بهالات نورانية. توقف ورفع ذراعه في الهواء..
– السلام عليكم جميعا …
جميعا …
أزيز الرائحة في أنفه دفعه حتى آخر البيوت، وبدا في إمكانه الآن سماع ثغاء الشياة المضطربة، وأصوات ارتطامها المتواصل بحوائط الحظائر. استغرب من قدرة هؤلاء الناس على النوم رغم الضجيج المنبعث من حظائرهم الخلفية. بدا متأكدًا أنه بمرور الوقت ينفصل الناس عن الإحساس بالرمال … والرياح … والنجوم، يغدون بعيدين جدا عن التراتيل التي تهفو بها الأشياء، فيصبحون غير قادرين على الفهم، مسترخين، راكدين، ولو في مطلق يقظتهم.

رنا بعينيه للصحراء، وبعد تدقيق شديد رآه يحوم على التلال القريبة، كان ذئبًا عجوزًا، عرف ذلك من حركاته المتباطئة، وجلده الذي يهتز لدى كل حركة، وشعر على نحو مفاجئ بأن الذئب وحيد، بدا كمن فقد وليفته من بعيد. أشعل نارًا، وبدا في جمع فروع حطب جاف وأخشاب وتأمل خطاه الحائرة على الرمال، كان الذئب شاخصًا برأسه في الهواء مراقبًا النار، والظل الطويل المسترسل على الرمال، الذي يتحرك على مقربة منها. كوم الحطب والأخشاب إلى جواره، جلس وشبك قدميه أمام النار.
حدق في العيون المضيئة على التلال، حين تختفي قليلا. يحدس أنه يتحرك، ويحاول التركيز على رؤية جسده الذي يهترئ في الظلام. بعد قليل تظهر العينان في مكان آخر، ملتمعة ومضيئة بلون حار، جلس في مكانه بعيون نصف مغلقة، يراقب بهدوء وطمأنينة، مدعمًا النار كل برهة.
انبلج الصبح، خبت النار. أهال الرمال على الرماد المنطفئ. كان الذئب قد رحل منذ وقت طويل واختفى وراء التلال. تذكر تلك النظرات التي لاحت في عينيه وهو ينسحب ببطء، نظرات مهزومة، عجوز، تنبئ عن جوعه وعدم قدرته في آن، رآه ينسحب وحيدًا، ويختفي في الصحراء، فكر في أن الصحراء تسع كل شيء، حتى ولو كان وحشًا سقطت أنيابه، لن يطول الوقت حتى يسقط في العراء، يجابه كل شيء بمفرده.
تطلع إلى الصحراء، ورآها ترتدي قناعها الصباحي المشوب بفضة ساحرة، أليفة ورائقة كالهواء، كان يعرف أنها الشيء الوحيد في العالم الذي لا تصيبه الشيخوخة، أخفض رأسه وقفل راجعًا. دخل في شعاب الأزقة الخالية، تباطأت خطواته وكان بإمكانه سماع أنفاسه المجهدة من طول المشي، والسهر طوال الليل. رمق البيوت النائمة واندلع في داخله غضب.. تمتم..
” عراة… يوما ما ستنكشفون وتدركون.. سيكون الوقت قد فات”.
هبت رياح خفيفة، صفيرها خافت، فصنعت دوامات من الرمال الناعمة، كانت تتحرك ملتصقة بالأرض.
جلس بجوار الباب وأقام ركبتيه، فكر في أن صوت الرياح قديم ولا نهاية له، مستديم، في كل وقت وكل مكان، يخفت قليلا.. يرتفع.. يهتاج، وتبقى القدرة على الإنصات إلى كل هذا الكلام المبعثر. أحس بالتعب، أراد أن ينهض، ولم يستطع، رفع وجهه باتجاه النخيل، جريده يتلاطم في السماء…
لقد كبرت … آه … كبرت … لم يعد بمقدوري شيء – حدق في رؤوسه التي تسبح في الهواء.. تعلمون ذلك، ولكنني أنتظر…
تشفقون عليّ أكيد
أسند رأسه على ساعديه، تساءل: إلى متى تظل هكذا؟ ومتى تسكن روحك رؤوس النخيل
مثلهم؟!
تمتم: إنهم يشفقون عليّ …..
رفع عينين ملتمعتين تجاه النخيل مرة أخرى، بعد قليل عاد وأراح رأسه على ساعديه، أخذ يحرك أقدامه، فتحرك رأسه الساكن وتحرك كل جسده، كان ذلك حين تذكر أغنية قديمة فأنصت لها.
* * * * *
… وتهيأ له الذئب يرقد في الرمال الشاسعة، عجوزًا جائعًا وحيدًا يريح رأسه على الرمال الحارقة، يفتح عينيه ويغلقهما من دون قدرة على شيء؛ فبكى لأجله، وتهيأ له الأجداد معلقين في السماء بجلابيبهم وعمائمهم البيضاء، كان التمر يتساقط من النخيل، يتساقط من بين أيديهم غزيرًا كمطر، فضحك وارتفع صوت ضحكاته…
ولكنه لم يدر لِم انتهت الأغنية.. انتهت هكذا فجأة … فتح عينيه وانتبه، انتصب عنقه وامتد عاليًا كزرافة أحست بخطر، كانت أصوات منخفضة تنبعث من البيوت، خمن أنهم استيقظوا توًّا، تطلع إلى النخيل، وكانت أشعة الشمس قد هبطت على قممها، ابتسم وبدأ يحادثهم، وشعر على نحو ما بأنهم يجيبون، كانت أصواتهم تغمر أذنه فاندفع في الحديث، كان النخيل يقترب أكثر فأكثر، حتى تزاحم في عينيه، تشابك … أحس أن جسده يتمايل مع الهواء ويتلاطم كرؤوس النخل … والصحراء الصامتة إلى أبعد مدى تجاوبه بعطف غامض..
.. رآها لأول مرة غير قاسية، ممتلئة بود باطني ونقاء يطفو على سطحها.. أحس بامتزاج ذلك كله، وترابط وألفته مع الرياح.. والسماء.. والليل.. والشمس.. امتزاج له حلاوة تدركها في طعم تمرة صغيرة تلوكها في فمك، فيكون بإمكانك تذوق كل هذه الأشياء منفردة ومجتمعة.. كلها.. كلها.
فتح أولاده الباب.. حملوه إلى الداخل فلم يقاوم.. كان يرنو بعيون صامتة.
وفي البيت..
كان يلمح في عيونهم الضجر والملل، حين يتناوبون الجلوس إليه، يحس برقدته.. رخوة.. مريرة.. يفكر في اليوم الذي يستطيع النهوض فيه، وحين تدفع به الرغبة إلى النهوض.. يتمشى قليلا، ويفاجئه الدوار عنيفًا، قاهرًا، شاعرًا بعجزه عن الحركة، الذي بدا له كعجز ناقة بركت في وسط الصحراء بلا أمل. وبالليل حين يتركونه وحيدًا في حجرته، تصل إلى أذنيه بعض الكلمات من الباحة المنورة، فتنساب دموعه.. يطبق يديه على فمه، يكتم نهنهاته حتى لا يسمعوها.
أحيانًا.. تلح عليه رغبة خافتة في أن يسمعوا.. أن يدخل أحدهم فجأة..
.. ولكنهم كانوا لا يدخلون.