ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب إحدى قصص المجموعة القصصية “نوافذ الضوء “، للكاتب محمد صالح البحر، والصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور أحمد بهي الدين، والقصة بعنوان “المقعد الخالي”.
المقعدُ الخالي
محمد صالح البحر
لا شيء يحدث في الحياة لأول مرة، كل ما يحدث ـ وما سيحدث لاحقًا ـ حدث بشكلٍ أو بآخر من قبل، ومع ذلك فإننا لا نقدر على مقاومة الدهشة مع كل حدث جديد، ولا تتوانى عقولنا عن محاولات تجنب الكوارث، أو ملاحقة الأفراح.
وأنا أظلّ أسير
حاملًا فوق كتفيّ همومي وسعادتي، وأشرب من كليهما بحسب ما يقتضيه الحال.
…
الرجل الذي يواجهني على المقعد المقابل، لا يكف عن قضم أظافره بعصبية، أو النظر بخوف إلى كل الأشياء التي تتراءى له في المكان، وأنا لا أكف عن التحديق في المرأة التي تجاوره، كانت تتشح بسواد يتناسب مع الإضاءة الخافتة للمكان، لكنها ظلتْ بارزة، وعندما عجزتْ عن إخراج صورتها من نني عينيّ، خلعتْ قفازها بأناقة، ووضعته بهدوء على يد المقعد الذي تجلس عليه.
كنت أعرف أن اليد بداية، فمِلْتُ برأسي للوراء حتى حضنتُ السقف بعينيّ، وقلت للرجل الذي تشكَّل فيه، هناك في المساحة المختبئة بين البياض والعتمة، إن العيون لغة، تتشكّل حروفها من الصمت، لكنها ستُشكِّل مستقبل الإنسان الآتي، وإننا نفسد الحياة عندما نتكلم، حتى تصير مجرد خطأ عابر، نفقد فيه كل شيء.
…
الذين يتحدّثون عن الانتحار لا يحبون الموت، إنهم يتلذذون بالحزن، ويستعذبون أن يصيروا ضحايا في مواجهة العالم، كي لا تكشف الحياة عن ضعفهم الإنساني، وكان المرضى يتركون مقاعدهم بانتظام شديد، وبترتيب صارم يدخلون في ذات الإضاءة الخافتة بحجرة الطبيب النفسي.
وأنا أظل أسير، حتى أصل إلى المقعد الخالي أمام البار.
ــ أمام كل بار هناك دائما مقعد خالي.
أطلب كأسًا لنفسي، وكأسًا لضعفي الإنساني، ونظل هكذا حتى نتجاوز مرحلة التنميل التي تدغدغ أعلى الرأس، ونبدأ في الضحك معًا، الشراب في جماعة أمر مهم جدًا لكي أسمو، فتلاحقني عينا ضعفي الإنساني حتى تفلحا في معانقتي، هناك في المساحة المختبئة بين البياض والعتمة.
…
يرتكب الناس جرائمهم ومحبتهم فرادى، لكنهم يرتحلون إلى المنافي في جماعات، وكأنهم يتلذّذون بمشاهدة العذاب.
وأنا اخترتُ ألا أتوقف عن السير.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











