أخبار عاجلة

محمد جابر غريب.. القاص ذو الأيدي البيضاء

بقلم: محمد فايز حجازي

كنت قد آليت على نفسي منذ وقت ليس بقريب، أن أكتب عنه، أتحدث كثيرًا، أفضفض وأستفيض، شغلتني الشواغل ثم تباطأت وسوّفت، بعدها أدركت أن تباطئي هذا لم يكن سوى خشية من الحديث عنه، ورهبة من اجترار الأحداث والذكريات، نحن هكذا دائمًا، نعجز ونرتبك عندما يتعلق الأمر بمن نحب، فلا أجدني إلا مقصرًا مهما حاولت الوفاء، كيف لا! وقد عشت معه لسنوات كثيرة، نشأت فيها طفلًا وصبيًا وشابًا بين كتبه وجدران مكتبته، إنه الأديب القاص محمد جابر غريب، صاحب مكتبة قنديل أم هاشم لبيع الكتب القديمة على سور السيدة زينب، ولا أعتقد أن أحدًا من كتاب ومثقفي مصر خلال العقود الأربعة الأخيرة، إلا ولهذا الرجل عليه أيد بيضاء! كيف لا وقد كانت مكتبته القديمة -مكتبة قنديل أم هاشم- وسط ميدان السيدة زينب، قبلة لمن أراد منهم اقتناء نفائس الكتب، ومقصدًا لمن يبحث عن نوادر الأدب ودرر العلم، أكاد لا أستثني أحدًا من أساطين الأدب وأرباب القلم، وقد رأيت في مكتبته الغيطاني والقعيد والدكتور النساج ورمضان بسطاويسي وكونت معارف وصداقات مع الكثير والكثير منهم، أتذكر النقاشات الدائمة والحامية ومناوشات الصحفي والناقد الكبير عصام زكريا والكاتب المسرحي مصلح محمد، وهما من أبناء السيدة زينب فلا يمر يوم دون عبورهما علينا أثناء غدواتهم ورواحهم.
إنه القاص محمد جابر غريب، تاجر الكتب القديمة، وصاحب ندوة قنديل أم هاشم الأسبوعية، التي كانت تعقد حتي وقت قريب بعد مغرب يوم الأحد من كل أسبوع، في رحاب سور السيدة لبيع الكتب القديمة، يجتمع فيها صفوة مثقفي وكتاب المحروسة، يجلسون حول منضدة كبيرة -أو بالأحرى عدة مناضد صغيرة مُتلاصقة- أُعدها جابر غريب خصيصًا لهذا الغرض، وقد فرش خشبها القديم بأوراق الجرائد والمجلات القديمة، وتراصت عليها أكواب الشاي الساخنة بسخونة النقاش، وتجاوزت النقاشات والندوات الشأن الأدبي للشأن الإذاعى والسينمائي فكم من ندوة استضاف فيها جابر غريب مخرجي الإذاعة والتلفزيون كالمخرج الإذاعى الكبير عبده دياب صاحب برنامج (أغرب القضايا) الذي كان يقص علينا كيفية انتقاء المؤثرات الصوتية وفنيات الإخراج وتفصيلاته، كما كان المخرج التلفزيوني سمير روبيل صاحب البرنامج الأشهر (العالم يغني) ضيف دائم الحضور.

محمد جابر إنسان بسيط للغاية، تراه بسمرة بشرته وجلبابه النظيف علي الدوام، صورة فنية ولا أروع، للمصرى ابن البلد، الذى شب في حي السيدة زينب وسط المساجد القديمة والأسبلة العتيقة، كانت روحه النقية تطل مع كلماته الهادئة الرصينة المحملة بحكمة الحياة، فلا تتعجب حينما تعرف أن هذا الرجل الذي لم يتلق قدرًا من التعليم، وإن التهم أطنان من الكتب لتستقر في وجدانه وتشكل شخصيته، إنما هو قاص فريد امتلك أدوات فن القصة بصورة استثنائية، أدهشت أمير القصة نفسه الدكتور يوسف إدريس الذي قدم بخط يده لأول مجموعات جابر غريب القصصية (سي السيد الديك)، كان إدريس آنذاك يسكن في شارع خيرت في حي السيدة، وكان الأستاذ مصطفي نبيل قد استحدث ورشة في مجلة الهلال، عرفت بورشة يوسف إدريس، تُرسل القصص لإدريس الذي ينتقدها وينتقي منها أجودها، قال عن قصة الديك لجابر غريب ” هذه القصة قد استوت ونضجت في عقل كاتبها الواعي والباطن معًا، حتي جاءت تحفة بكل المقاييس”، وقال عنها الدكتور سيد حامد النساج ” قصة الديك تلخص كل الملامح الفنية القصصية لدي الكاتب محمد جابر غريب، ولدي فن القصة القصيرة فهي قصة بديعة رفيعة المستوي.
استمر محمد جابر الذي ولد عام 1945 في حي الحلمية الجديدة، في نشر مجموعاته القصصية، فكانت ست مجموعات هي “سي السيد الديك” “اغتيال أبو المحاسن” “عذابات السيدة الجميلة” “أغنية لزفاف جديد” “أزرار البلوزة وأشياء أخري” إشراقات الحب والغضب” ، لاقت مجموعات غريب حفاوة من الدكتور علي الراعي وشكري عياد ومحمد المنسي قنديل ومحمد مستجاب ويوسف القعيد الذي استضافه في برنامجه الإنسان والمكان. حولت قصة الديك لسهرة تليفزيونية بطولة خالد صالح وفتحي عبد الوهاب، واخرج عنه محمود عبد السلام فيلمًا تسجيليًا، وأشاد بكتاباته النيجيري وولي سوينكا الحائز علي جائزة نوبل في الآداب عام 1986.

 

جابر غريب قيمة أدبية مصرية أصيلة، تتضح مصريته بجلاء عظيم في شخوص قصصه، فنجد في قصة الديك مثلًا تلك السيدة الوحيدة التي تقطن في حارة قديمة، وليس لديها من تأنس به في الحياة، فلا تجد سلواها إلا في تربية الدجاج والديوك، أطلقت اسما علي كل دجاجة، وتترقب مسلك الديك وحركاته مع الدجاجات، تصوير جابر لافتقار السيدة لمشاعر الدفء جاء بصدق شديد، بل إن معظم أبطال قصصه يعانون من افتقاد العواطف الحميمة والود الخالص والرحمة، ولا عجب فقد نشأ جابر يتيمًا يفتقر لدفء الأم، وقد رباه جيرانهم في الحارة، ربما هذا ما أضفي علي قصص جابر حميمية شديدة عوضًا عن تلك التي فقدها وظل يبحث عنها، وأظنه يفعل إلي الآن، غريب يرسم شخصياته باحكام شديد، وأكثر ما يميز قصصه، هو الإيجاز الشديد في الوصف والسرد، فنجده علي سبيل المثال في مفتتح قصته “الأسانسير” من المجموعة القصصية (إغتيال أبو المحاسن) يقول عن بطل القصة الذي حبس في أسانسير ويسعي لمنقذ يعينه:
“باغتته العتمة، تحسس الجدران، ملساء وباردة، لسعته، الأركان الأربعة لفها بجسده”
فلا يجد القاريء في تلك الكلمات المعدودات إلا لغة شاعرية، صورة واضحة بجلاء، مكثفة بشدة، ومحسوسة للغاية، هذا هو غريب وهذه هي سمات قصصه، حكايات جابر غريب في معظمها بسيطة، وتحتوي علي حدث محدد، وحول جانب من الحياة، غالبًا هو البيئة الشعبية والطبقات المهمشة بنظرة مثالية يتوق لها قلبه الدافيء وقلمه الصادق، الحوار عند جابر موجز بغير أن تشك لحظة بأنك ربما سمعته نصًا من قبل، وأنك واجهت تلك الشخصيات بل وتفاعلت معها.
عالم محمد جابر يحفل بالبسطاء والشخصيات المتوارية في الظلال المعتمة، وهو في ذات الآن يحاول علي الدوام أن يجعل من أعماله الفنية جسور، يعبر فوقها القاريء إلي استشراف الهموم العامة، وهو لا يقف عند شكل معين، إنما هو يبدع كل قصة بتكوين خاص وذلك يعطيها مذاقًا خاصًا، ففي قصته (إغتيال أبو المحاسن) من المجموعة القصصية التي تحمل نفس الاسم، يستعرض الراوي العليم، كيف اختلف الناس حول أبي المحاسن، تلك الشخصية الغائبة التي تمارس حضورًا قويًا، فبعضهم يقول عنه زاهد أو عابد وآخرون يقولون سكير أو لص، يقال بخيل ثم يقال كريم (واللي في جيبه مش ليه)، بعضهم يراه يميني والبعض يراه يساري، وهكذا يظل أبو المحاسن غائبًا حاضرًا بنتائج أعماله المعكوسة على ألسنة الناس، والقلة لم تبد رأيًا فيه وإن جسدت بعض حالاته وأحواله دون إيضاح، يقول الصحفي والناقد السينمائي الكبير الأستاذ عصام زكريا: تتجاوز أبو المحاسن السقف والحوائط المحيطة بها، وتبدو لي جنيًا محشورًا في قمقم على أهبة الانطلاق، وهي رغم بنائها الهش ظاهريًا تشكل قطعة نحتية رقيقة -نعم- ولكن موحية بطاقة كبيرة كامنة، بناء أبو المحاسن مأخوذ من السينما التسجيلية القصيرة، مثل معظم أعمال مؤلفها، مشاهدها المتتابعة المتلاحقة تصحبك في رحلة بحث عن أبي المحاسن وحقيقته، لكنك تكتشف أن هذه الرحلة التي شاركت فيها بشغفك وحبك للاستطلاع لم تكن سوى عملية إغتيال إنسان، جريمة اغتيال يومية تساهم أو تشارك فيها كل يوم في حق انسان، في باطن القصة إدانة لمن يقرأها، وهذا يتأكد بمعرفة شيئين آخرين، أن القصة لا كاتب لها ولا بطل لها.

 

 

ويقول عنه الدكتور رمضان بسطاويسي (محمد جابر غريب يكتشف آفاقا أخرى لقصصه القصيرة ويرتاد مناطق جديدة في عالم اليوم الذي يبدو على الأرجح بلا حقيقة) وعلق الأستاذ محمد مستجاب في جريدة أخبار الأدب عدد 169 قائلًا (محمد جابر غريب يبدع كل قصة بتكوين خاص وذلك يعطيها مذاقًا خاصًا)
في مجموعته (عذابات السيدة الجميلة) يأخذنا محمد جابر غريب إلى جو جديد، ويفاجأنا بغير المتوقع، فقصة عذابات السيدة الجميلة، تتحدث خلال فترة قصيرة جدًا تقع بين الاستماع إلى دق جرس الباب لسيدة مريضة لا تقوى على النهوض والتهيؤ لمعرفة من الطارق، وقراءة القصة قد يستغرق أضعاف الوقت الذي حدده الكاتب زمنًا للقصة، ولكنه هنا لا يقدم لنا قصة من خلال الزمن الواقعى وانما يدفع بنا إلى زمنه الفني الخاص، إن الكاتب يقدم لنا شخصية زوجة محددة الملامح، جميلة الروح تتعرض لأزمة صحية مفاجئة (بالمناسبة استقى جابر غريب الفكرة من موقف حقيقي حدث لزوجته رحمها الله وقت أزمتها الصحية كما أخبرني) فترتبك أحوال الأسرة كلها، بدءاً من الزوج وحتى الأولاد وتشتبك الأحزان الشخصية ويوميء الكاتب بأن الحزن يمتد ليشمل أحوال الوطن في الداخل والخارج، وينجح جابر في تصوير فني بديع لإلقاء الضوء على ظروف هذا الشخصية وتحركاتها وآلامها العضوية والنفسية ومعاملاتها في العمل واهتمامها الثقافية وعنايتها بالبيت وحبها غير المحدود لأبنائها ووفائها لزوجها وتضحيات الزوج بكل ما وسعه من طاقة إيمانية كبيرة وإمكانيات، القصة إذن قصة لحظة درامية غنية ومشحونة بالانفعالات والأحداث والتراكمات والمواقف الانسانية التى تهز بصدقها أوتار القلب وأعماق الوجدان، إن قصة عذابات السيدة الجميلة من القصص التي تقترب كثيرًا من نفس القاريء ليس فقط على مستوى الارادة الكامنة في أعماقنا على مواجهة الخطر سواء كان ذلك على مستوى الأسرة أو على نطاق المجتمع، ومن هنا تكمن حرية القاريء في إضفاء أي معان أخرى يراها من خلال الأحداث فجمال العمل الفني هو في اتساع آفاقه وتعدد رؤاه أو حتى الإختلاف مع هذه الرؤى وهذه الآفاق بشرط أن يكون الإختلاف أو الإتفاق له ما يبرره ومستمدًا من داخل العمل الفني لا من خارجه، وهذا ما تتحيه القراءة في قصص محمد جابر غريب والتي سنستعرضها تباعًا إن شاء الله، تحية حب ووفاء عظيمين لهذا المبدع الإستثنائي في تاريخ أدبنا الحديث، محمد جابر غريب.