أخبار عاجلة

“واحدة مقطقطة”.. من “أحلام في الطراوة” عن هيئة عن هيئة الكتاب

صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، برئاسة الدكتور أحمد بهي الدين، المجموعة القصصية “أحلام في الطراوة” للكاتب نبيل عبد الحميد.
من أجواء المجموعة ننشر قصة “واحدة مقطقطة”:

انخطفت عيني إلى هناك. ناصية الشارع العريض أمام بيتنا. مكان التجمع المعتاد لها. ثلاث قطط منها فقط الآن فى المكان.. مكان الملتقى المركزي المتفق عليه بين مجموعة قطط المنطقة. واحدة مشمشي وواحدة بيضاء وواحدة رمادي فى كحلي.
تتناوش وتتداعب وتتصارع بالأطراف والمخالب والذيول وتتمرغ بتراب الأرض فى انسجام متصاعد.

تتوقف القطط بين لحظة وأخرى مترصدة مدخل الشارع العريض مشرعة الآذان إلى أعلى فى تشوق يلتمع بالعيون.

متى تصل العربة الفولكس إلى مدخل الشارع.؟.

متى تهل طلعة المرأة المقطقطة؟.

اعتادت القطط على هذا الموعد منذ زمن ممتد.

واعتادت المرأة أن تأتي ولا تتخلف عنها.

بدت القطط تستشعر قرب اللقاء المرتقب.. قرب دخول الفولكس أول الشارع.

فراحت تسبل العيون وتتشمم الهواء بشوارب مرتعشة وأفواه مذمومة.

هل ستأتي المرأة كالعادة وتفعل ما تفعل؟.

هل ستأتي اليوم أيضاً مصرة على موقفها ومتجاهلة ما اتفقنا عليه بالأمس أنا وهى.؟

معقول تضرب بكلامي عرض الحائط.؟

كلامي أنا وتحذيري لها.؟

تكبر دماغها عن كلامي أنا.؟

لا أعتقد.. أغلب ظني أنها لن تجرؤ على هذا التحدي.

فأنا لا أقف وحدي فى موقف المعارضة.

هى تعلم ذلك جيداً.

ثم من يعرف فقد تحترم نفسها وتلم الموضوع ويبقي يا دار ما دخلك شر.!

هى أستاذة فى استخدام الكلام الزئبقي لاستثارة الشفقة والتعاطف مع فكرتها.!

قد لا تأتي اليوم.. تلاعبني وتجر رجلي كنوع من المهادنة.

بدأ الوقت يتسرب ولا أثر لصوت الفولكس عند أول الشارع.. وراحت القطط الثلاث تدور حول نفسها فى انكسار مهزوم.

تراخت الشوارب وتدلت الذيول والآذان.. مستشعرة شيئا مفاجئاً يراودها.!

حدث مقلق يتربص بها.!

فالمسائل ليست المسائل والانتظار يتمدد مملاً.

تقاربت رءوس القطط وتغير صوت موائها.. اكتسب نغمة متأسية ممطوطة.

ظهر قط رابع عريض الصدر رزين الحركة يخطو فى استعلاء متكبر.. اللون أسود غطيس والعين بركان متوهج والشارب أشواك نافرة.

دخل وسط الثلاث قطط وقعد على مؤخرته فى شموخ، متلاعباً بذيله المعقد فى حركة دودية.

همد مواء القطط الثلاث وارتخت نظراتها تحت نظرات القط الأسود.. رفع يده وشهر مخالبه وراح يلعق بطونها بلسانه المتورد القاني ويمسح وجهه وعينيه.. وهى تقلده فيما يفعل.

انتبه القط الأسود فجأة واستطال عنقه وتشرعت أذناه فى حركة رادارية.

خمش الأرض فى حماس منتش وطار يتخاطف القفزات ومن ورائه الثلاث قطط.

وفى لحظة ظهر موكب المرأة المقطقطة.

عملتها وجاءت.!

العربة الفولكس القديمة تتهادي فى مدخل الشارع العريض والكلاكس يزفها.

جاءت إذن.. رغم كل ما قلته لها.!

ماشي.. سأعرف كيف أتصرف معها.

عشرات القطط تتقافز وتتسابق وتتعلق بهيكل العربة وتخمش زجاجها فى هرج عشوائي.

فرامل وكلاكسات ومواءات ممطوطة ومبتورة ومتصارعة وذراع ملوحة من الشباك الأمامي فى نشوة طاغية.

القط الأسود يقفز إلى كبوت العربة ويلصق وجهه بزجاجها الأمامي.. ينظر للداخل فى استطلاع متوثب.

تقفز إليه بعض القطط مزاحمة فى استماتة للتطلع إلى الداخل.

تدور المعركة بالمخالب والأنياب والمناورة الموائية.

توقفت الفولكس فى مكانها المعتاد عند ناصية الشارع ومن حولها يحتشد مهرجان القطط.

ومازالت بقية الجماعات تتواثب لاهثة من الشوارع الجانبية ومن دهاليز البيوت ومن تحت العربات الراكنة على الأرصفة ومن خلف أسوار الحدائق.. فيزداد هياج النونوة والهبش وتكشير الملامح وزغرات العيون.!

انفتح باب الفولكس فى صعوبة ومجاهدة.. ونزل الصندل البني المحروق بكعبه السميك ومن ورائه أطراف الجونلة الخضراء الكالحة تائهة فى زحام القطط.

– ألا تريد أن تخلعها من دماغك.؟

جاءني صوت زوجتي من خلفي.

التفت إليها منفعلاً.

– ألا ترين بعينك.. جاءت رغم أنني..

أخذتني من يدي مقاطعة كلامي.

بدت الابتسامة تتوثب من وجهها تلاطف حدتي.

– ماذا تريد منها بالضبط.؟

حاولت أن أتماسك متجاهلا كلامها قبل أن تدخل بي فى متاهات نقاش فلسفي لا ينتهي.

وملأتني الحمية فاندفعت إلى الشارع.

توقفت عن قرب ونظرت.

كانت القطط تملأ الفولكس عن آخره.. المقاعد والأرضية والشبابيك والتابلوهين الأمامي والخلفي وعلى عجلة القيادة.!

العربة من الداخل والخارج كخلية النحل، مغطاة بالقطط من كل الألوان والأحجام والأنواع.

ودار دماغي متحيراً.. فمن أين جاءت كل هذه القطط.

أين تختفي وكيف تتجمع هكذا فى لحظة.؟

فتحت المرأة شنطة العربة وأخرجت كيساً كبيراً من البلاستيك مملوءًا عن آخره.

لاحظت بجواره فى الشنطة عدة أكياس أخرى مملوءة بنفس الطريقة.

احتارت قدماً المرأة وهى تتنقل فى زحام القطط.

وراح الصندل المحروق يتعثر ويتفادى دهس الأجسام المتدافعة.. بينما أطراف الجونلة الخضراء تراوغ الخمشات والقفزات وتكالب الأفواه من كل جانب.

وقطرات الدماء تتساقط من الكيس البلاستيك على أطراف الجونلة وظهور القطط.!

المرأة تتحرك فى خفة حالمة تحوطها السعادة.

تتوهج بملامحها نشوة حنون.. تلاغي القطط التى تتقافز إلى أكتافها.

– آه يا غجر.. دايما مسروعين كده.!

وتبعثر محتويات الكيس على الرصيف وتظل تنفضه.

رءوس وأجنحة ومصارين وأرجل وحواصل الطيور المذبوحة.

القطط تحارب فى نهم وتتجاذب الفضلات الدامية.. تزوم وتبخبخ بأصواتها مكشرة عن استماتة الدفاع عن القوت.

تتراجع القطط الضعيفة فى توجس منكسر.. تختلس نظرات الاستجداء للمرأة.. فتروح تستخلص لها بعض الفضلات من بين الأنياب بعصا فى يدها وتلقيها ناحيتها.

– الأكل كثير يا غجر.. كلوا واشبعوا.

التقطتني ابتسامتها الطفولية فتلفتت متجاهلة رؤيتي.

رفع القط الأسود صدره فى استعلاء المايسترو وراح يستعرض سير العمل فى وليمة القطط.. يلعق كفه فى تؤدة المتخم بالطعام.. بينما عيناه تهدهدان مشاعر المرأة فى عرفان.

جرى القط الأسود متحمساً ومال برأسه يتملص من تحت باب الجراج المهجور.

اقتربت متفادياً زحام القطط الذى يغطى الأرض وناديتها.

نظرت ناحيتي وانفرج فمها كاشفاً سنتها المكسورة.

– وآخرتها معك يعنى.؟

قلت محتدا عليها وأنا أقاوم رائحة الفضلات المبعثرة فى كل مكان.

هزت كتفيها فى لا مبالاة وبدت ملامحها مستعطفة فى قلة حيلة.

– الجوع كافر يا أستاذ.. ثم إن.. ثم إن..

وتكسر الكلام فى فمها منسحبا للداخل.

جاء القط الأسود عدواً ومن بين أسنانه شىء متدل يتأرجح شىء لين يرتعش فى هلامية.

غالبني صوتي زاعقاً فيها لعلها تفهم وتستوعب.. فالناس هنا متأففون من الروائح النتنة.. أوساخ وحشرات وأمراض وبلاوي.

ظلت عيناها متعلقتين بوجهي تبحثان عن لقاء مفتقد.

رفعت الشىء اللين المرتعش عن الأرض بسن عصاها ومدته ناحيتي فى حذر.

فوجئت بهذا الشىء «بورص» ممتلئ الحجم يرتعش بطنه الأملس وأطرافه العنكبوتية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

بدا جحوظ عينيه المخنوقتين يثير القشعريرة.

وراحت المرأة تشرح للقطط فى تآلف متبادل وهم ينظرون إليها متخمين بما أكلوا.

– وكما تعلمون يا أحبائي فإن لحم البورص من أشهى الأطعمة للذوق القططي.. ولا يمكن لأي قط أن يضحى بمثل هذه الوجبة النادرة إلا على جثته.. صح يا أحبائي.؟

ونظرت ناحيتي مستطلعة مدي قناعتي بكلامها قبل أن تواصل.

– ولكن أخوكم القط الأسود آثرني على نفسه.. متغلباً على شهوته الغريزية، مقدماً أغلى ما عنده.. وجبة «البورص»