ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة قصيرة بعنوان “طوق النجاة” للقاصة علا عبد المنعم.
“طوق النجاة”
لَمَحْتُه عند بوابة البنك، كان يتناول رقمًا من الماكينة قبل ولوجه إلى الداخل، استوقفه موظف آخر ليضع في يده بعض المطهرات قبل أن يقيس له درجة حرارته، تعمدت التقهقر والتأخر قليلًا تجنبًا للقاء لا أرغب فيه، استرعى انتباهي تلك الانحناءة التي رافقته منذ وقوع عيني عليه، في بادئ الأمر ظننته قد قام للتو بربط حذائه، لكن مع استمراره على تلك الوضعية حتى وصوله لأحد الكراسي المخصصة للعملاء كنت قد تأكدت أن سمَّة تغييرًا كبيرًا قد حدث له منذ أن افترقنا وحتى هذه اللحظة، جلست في الصف الذي يليه رغم خلو بعض الأماكن بجواره كي لا تقع عيناه عليّ أثناء قيامه أو تَلَفُّته أثناء الجلوس، لا أعرف ما الذي استرعى انتباهه فقام ليتأكد منه عند شبابيك الموظفين، لكنه عندما هَمَّ بالرجوع وجد أن كرسيه قد تم شغله من أحد الأطفال المرافقين لبعض عملاء البنك فابتسم له ومسح على رأسه قبل أن يدس يده في جيبه ليخرج له بعض قطع الحلوى التي اختطفها الطفل منه بسرعة وتكور على نفسه بالكرسي ملتهمًا إياها بنهم.
جالت عيناه في الصفوف التالية بحثًا عن مكان شاغر يجلس فيه حتى يحين دوره، تمنيت وقتها لو انقطعت الكهرباء ليظلم المكان ويعجز عن رؤيتي أو لو استطعت أن أندس تحت الكرسي الذي أجلس عليه تمامًا مثل الأطفال عندما يَتَخَفُّون بعد اقتراف كارثة من كوارثهم المعتادة، لكن قبل انتهائي من فقرة الأمنيات كانت ابتسامته قد غَطَّت وجهه بعد أن لمحني وهمَّ بالتوجه ناحيتي وقد قامت من جانبي في نفس اللحظة إحدى السيدات متوجهة إلى أحد شبابيك البنك المتعددة.
مازالت عذوبة ابتسامته كما هي لم تُغَيِّر منها الحياة أو تنتقص منها شيئًا، كذلك صوته الرخيم والذي كنت أحتفظ به في أذنيّ كي لا يتسرب منها أبدًا فيطمئن قلبي قبل روحي ويتملكني الشعور بالأمان رغم افتقاد خانة الزوج لاسمه في بطاقتي الشخصية، وكأنه كان يكتنز الكلام في جعبته حتى يصبه في أذنيّ فور مقابلتي يومًا ما لم نُخَطِّط له كيومنا هذا، انخرط في الكلام وكأننا لم ننفصل عن بعض يومًا واحدًا ولم يقم المأذون في يوم بعيد بفصم عُرى الوصل بيننا بطلاق لم نرجع بعده أبدًا كما كنا ولن نرجع بعده أبدًا مهما حاولنا، فما حدث وقتها كان جُرْحًا عميقًا حتى ولو جفت دماؤه وتوقف نزفها ستظل هناك علامة شوهاء تذكرنا دائمًا بما كان في تلك البقعة.
كان يحكي لي عن أمه وعن مرض وفاتها بينما ارْتَحَل عقلي إلى منطقة بعيدة، هناك في ذلك البيت الذي تفتحت فيه زهرتي ونمت وصار لها قلب ينبض تربع فيه ذاك الصبي البنيّ الشعر فصار بيته وعنوانه قبل أن يكون بيتي ومكمن أسراري، وتذكرت تلك السيدة التي رعتني مع أولادها بعد وفاة أمي وانتقالي لبيت جدتي التي كانت سيدة عجوزًا لكنها أحبتني ليس فقط لكوني حفيدتها الأولى وابنة ولدها الأكبر لكن لحبها الشديد لأمي التي طالما مَرَّضَتْهَا واهتمت بها بعد أن أقعدها المرض، كنت أمكث في بيت جارتنا طوال اليوم لا أعود إلى بيتنا إلا عندما يحملني أبي نائمة من سرير أطفالها ليضعني في سريري حتى الصباح، لأستيقظ بعدها فأهرول في حبور تجاه الباب لأفتحه قبل أن ألقي تحية الصباح على جدتي وأتوجه لألعب مع من أحب قبل حتى أن أتناول فطوري، لم أفطن وقتها لما كانت ترمي إليه تلك السيدة، فكيف لطفلة صغيرة أن تفهم كلمة مطلقة التي كانت تقرنها بها جدتي عندما تخوض في الكلام عنها، وكيف لي أن أستوعب تلك الملامسات التي كنت أراها بعيني ولا تلك الكلمات المغموسة في أطباق النعومة والرقة التي ما إن تسقط على أسماع أبي حتى تتبدل ملامحه وتتوه منه نظرته وكأنه يقول لها إننا لسنا وحدنا.
استفقت من أفكاري وذكرياتي على صوت المذيع الداخلي يعلن عن رقم أحد الشيكات ليتوجه صاحبه للعلاقات العامة للأهمية، تلاقت عيوننا فابتسم بعد أن اكتشف أنني لم أكن معه وربما لم أسمع شيئًا مما قال، فاستطردت مطمئنة إياه أنني منتبهة وكلي آذان صاغية ليعود من جديد ويكمل تفريغ جعبته التي مازالت على امتلائها.
تمر من أمام عينيّ ذكريات زفافنا وكيف بذلت أمه كل ما يمكنها فعله لتمنع إتمامه، لكن إصراره على الاقتران بي وقف كما الصخرة بينها وبيني، لم أتخيل يومًا أن تتبدل أمي الثانية، تلك التي أصرت دائما على أن أناديها بماما رغم امتعاض جدتي واستيائها من ذلك وإصرارها على أنها تفهم جيدًا ما ترمي إليه تلك السيدة التي ما أرادت سوى أن تكون زوجة لأبي بعد أمي ولم يكن للصيد طُعْمٌ سواي، لكنها بعد سفره للعمل في الخليج وإرساله في طلبي بعد زواجه من شقيقة أحد زملاء العمل جن جنونها بعد أن خاب ظنها فيه وفيما كانت ترمي إليه، لا أنسى أبدًا محاولاتها للتفريق بيننا، مرة بإطلاق الشائِعات المغرضة عني وعن سوء سلوكي و تصرفاتي، وتارة بحجة أنني خريجة أحد المعاهد بينما ابنها المهندس لا يستحق سوى مثيلته في الشهادة الجامعية، كانت أيامًا ثقالًا، لكن ما تلا زواجنا كان أصعب وأثقل حتى لتنوء بحمله العصبة أولو القوة.
مات والدي وكان ميراثي منه كبيرًا بعد تقسيمه بيني وبين أخوتي الذين أنجبهم من زوجته الأخرى، فوجدتها وقد تبدلت معاملتها لي فصارت من جديد أمًّا حنونًا، بعد أن أجادت التصنع للعطف والمحبة.
كان تأخري في الحمل يقلقني رغم عدم اكتراث زوجي وتجاهله لتساؤلات أمه المتجاوزة وتصديه لملحوظاتها الجارحة كلما وجهت لي سهام لسانها الحاد، وجدتها في يوم بعد أن عدت من زيارة إحدى صديقاتي تخبرني برغبتها أن ترى لها حفيدًا قبل رحيلها لبارئها، واستفاضت في الكلام عندما صدمها صمتي لتخبرني بضرورة التوجه للطبيب مرة أخرى للوقوف على أسباب تأخر الحمل، ولا مانع من قيامي بإجراء إحدى العمليات الشهيرة لإحداث الحمل صناعيًّا لو تطلب الأمر ذلك، ولم لا وقد ورثت مالًا وفيرًا يمكنني من ذلك لإسعاد زوجي وحفاظًا على بيتي، ولما أغاظها إصراري على الصمت أخبرتني وقد بلغ التشفي منها مبلغه أنها قد قامت بخطبة إحدى قريباتها لابنها ولما استفسرت ساخرة عما إذا كان لها ابن آخر غير زوجي أخبرتني من بين ضحكها الساخر أنه لا يوجد غيره.
لم أواجهه، لم أُعِدْ على أسماعه ما صدمتني به أمه، لكنه استفاق من نومه في صباح يومه التالي ولم يجدني بجواره، عدت من جديد إلى بيت جدتي وأرسلت له برغبتي في الطلاق لكن ما صدمني هو أنني لم أجد منه ردًّا، كما لم يحاول يومًا أن يَدُق بابي الذي يقابله في صعوده ونزوله كل يوم ليسألني عن السبب، ومع تصاعد زغاريد قريباته صبيحة يوم زفافه كان يدق بابي أحد المحضرين ليعلمني بطلاقه لي غيابيًّا.
مع انتهاء شريط أحداثي معه رغم عدم انتهاء فيض الذكريات بدأت في الانتباه من جديد لحديثه، كان وجهه مثل جمرة مشتعلة وقد فاضت من عينيه الدموع، كان يحكي وقتها عن ملابسات الحادث المروع الذي أودى بحياة ابنه الوحيد وزوجته وكاد أن يقضي عليه لولا أن الله أراد أن يبقيه لحكمة لا يعلمها إلاه، وها هو يأتي إلى البنك ليصرف قيمة التعويض الذي قٌدِّرَ له من شركة التأمين.
أراها من بعيد، تجول بعينيها في المكان باحثة عني، أناديها فتهرول في اتجاهي، أضمها وكأنها طوق النجاة الذي أتاني بعد طول انتظار، أُعَرِّفها عليه، وبعد تبادل التحيات والسلامات بينهما أُمْسِك يدها وأودعه بابتسامة وأبتعد عنه غير ملتفتة إلى عيونه الدامعة والتي ظلت تتابعنا حتى مغادرتنا المكان، هكذا أخبرتني ابنتي.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











