“الشحاذ” إحدى روايات الكاتب العربي نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل للآداب والتي نالت شهرة واسعة بين جميع الأوساط الثقافية والاجتماعية وتناولها العديد من النقاد.
وللتوضيح، فإن هذه الرواية كتبت في فترة زمنية تاريخية محددة. مما استدعى أن يكون الشكل الروائي قد تجاوز كل علاقته بالأدب الواقعي إلى الانفتاح على المتغيرات الفكرية و الأخلاقية لتلك المرحلة من التاريخ بعد الثورة.
بطل رواية الشحّاذ عمر الحمزاوي كان النقطة الأساسية ما بين هذه الاختلافات الظاهرية والحقيقية وفقاً لكثير من الأمور ومفاهيم الحياة التي بدورها قد تغيرت، خاصة وأن هنالك من أوجعه ضميره وشعر بالذنب. وكان لا بد من أن يُفهم العالم في تلك المرحلة بطريقة مختلفة ليكون هنالك تقبل للرأي المختلف، أَي أن كل انسان وله رأْيه المخَالِف للآخر. ويصبح لكل فرد شخصيته المستقلة والخاصة به. وهذه التغيرات الاجتماعية والاقتصاية أدت إلى صراع المفاهيم والأفكار فترة الثورة التي قلبت الكثير من الأمور وغيرت الحقائق مما أدى إلى اصطدامها ببعضها البعض، وأصبح هنالك صراعات نفسية أدت بالبعض إلى الكثير من التشويش.
عمر الحمزاوي بطل رواية الشحاذ شخصية متكررة فى المجتمات الشرقية، تلك الشخصية فاقدة للقيم والمبادىء والتي تلجأ إلى الانحرافات السلوكية بعد تغيرات اجتماعية واقتصادية، أي بعد أن أصبح عمر الحمزاوي ثرياً ويملك كل ما يريده. وشعر أنه يخسر شخصيته. بعد أن اختلفت طباعه الثّابتة المألوفة، و أضحت أحواله النفسيه مريضة وتملكته فكرة البحث عن المطلق والمعنى، فهرب إلى ما ظن أنه سيجده هناك وهو حياة اللهو بمجملها. والضياع في الشوارع لمسافات طويلة والشرود وهو يبحث عن الأجوبة للأسئلة التي يطرحها على نفسه وعلى من يرافقه، وكره كل شيء وأصابه الملل السريع حتى أصبحت حياته عبثاً بلا حب ولا معنى لها:
“يا إلهي ما أطول العمر الذي مضى دون حب وما بقي لنا فيه عدا ذكريات محنطة؟!.
وبدأ في طرح الأسئلة الوجودية، وصار يكره عمله ولا يطيق البيت:
“ما أفظع الجو، لم أعد أحب شيئاً حباً خالصاً”.
صديقه مصطفى الحميم والملاصق له منذ تخرجهما من الجامعة يحاول أن يذكره ببعض المواقف التي حصلت معهم قديماً كي يسّري عنه، لكنه يلقى منه الجواب غير المنتظر:
“ذكريات معادة. كالقيظ والغبار. دورات محكمة الإغلاق”.
وقرر الجميع ممن حوله ويحبه أن يذهب لعيادة الدكتور، ولم يمانع، وذهب وحده إلى العيادة وجلس ينتظر دوره، وأخذ يحدق بلوحة معلقة على الجدار ويحلل ما فيها من رسومات:
“ثقلت جفونه وتكاسلت دقات قلبه وها هو الطفل ينظر إلى الأفق، وها هو الأفق ينطبق على الأرض، دائما ينطبق على الأرض من أي موقف ترصده، فيا له من سجن لا نهائي”
وفي غمرة توهانه سمع أقدام الممرض ليقول له تفضل .
تصافح مع صديقه الدكتور بعد مرور ربع قرن من الزمان، وبعد حديث طويل قال له:
” فلنؤجل حديث الذكريات حتى نطمئن عليك “.
وأدرك الطبيب بعد أن سأله بعض الأسئلة أن صديقه عمر الحمزاوي ليس مريضاً بالمعنى المألوف وأن الحال اخطر من أن يكون بسيطاً او أن يسكت عنه وبدأ بإجراءات حجرة الكشف والفحوصات كاملة وقال:
” لا شيء البته ؟ ولكنه سرعان ما قال بحذر:
أخشى أن يكون الأمر اخطر مما تتصور!”
فهم عمر الحمزاوي رسالة صديقه الدكتور وسأله إن كان عليه أن يسجن نفسه في عيادات للطب النفسي لكنه لم يوافق وقال له: إن مرضك هو مرض “البرجوازيين” إن جاز في اصطلاحه الحديث وليس بك من مرض آخر.
هنا نعود إلى حياة عمر الحمزاوي وطريقة عيشه التي استنتجها الدكتور وصارحه بها، فهو قد عاش إنساناً ناجحاً له مكتب محاماه وقضايا ناجحة ويجهد نفسه في العمل حد الارهاق وابتعد عن المشي أو الرياضة ويأكل افخم الطعام والشراب ولديه الكثير من الاملاك والاموال وإن كل هذا جعله يقلق على مستقبله وعلى مصير أمواله. وإن ما اصابه من مرض، هو محاولة أن يجد هدفاً له ليحقق من خلاله معنى للحياة.
كان من حول عمر الحمزاوي فئة تربطها بالبطل علاقات وجدانية سواء كانت علاقة صداقة أو علاقة عائلية، وفئة أخرى هي شخصيات زمنية قصيرة تنشئ مع البطل علاقة حب أو متعة مثل الراقصة وردة أو المطربة الأجنبية في الملاهي الليالية وغيرهما.
والمجموعتان تؤديان الوظيفة ذاتها وهي مساعدة البطل على تجاوز أزمته أو على تحقيق هدفه المصيري بواسطة أداة واحدة هي الحب:
” لاح له مصطفى كنصب تذكاري للحب والزواج. كان المشير والمعين والشاهد وكل يوم يؤكد صداقته له وللأسرة ”
وتقول وردة إحدى بطلات الرواية:
“ليس عندي لك إلا الحب فإن زهدت فيه انتهى كل شيء”
وليس للزوجة، البنتان، إلا هذه العاطفة نحوه لمساعدته على تجاوز أزمته، إذن ليس هنالك في الرواية من شخصيات تقف في طريقه، فلا عدو لعمر الحمزاوي إلا شيء في ذاته:
“في كل لحظة تشعر بأن صلة تتمزق محدثة صوتا مزعج”
لكن علاقة عمر الحمزاوي ببعض شخصياته تتجاوز هذه الصورة الظاهرة لتتخذ بعداً آخر أكثر رمزية، فقد سعى الكاتب إلى أن يجعل من هذه الشخصيات المحيطة بالبطل وجوها مختلفة من شخصيته، فالزوجة زينب رمز للحب الذي غمر حياته في شبابه ورمز للنجاح والتفوق:
” تزوجت شخصية فاتنة…مدبرة، حكيمة خلقت للتدبير والحكمة ووجدت في حرارة جسمها عزاء عن الفشل”.
ووجد في ابنته بثينة وجهه الآخر الشاعر حين اكتشف أنها تكتب الشعر:
“لكنه شعر رائع وكما أنه ملهم” قال لها !… ردت بثينة: أما أنا فوجدت فيه ما أهيم به…”.
إذن؛ فالبنت تعيد سيرة الأب وبالتالي تُعد وجهاً من وجوه حياته ويكون التساؤل “لماذا نضطرب إذا كرر الأبناء سيرتنا؟”.
أما صديقه عثمان خليل فهو صورة المناضل السياسي التي كان عليها البطل في شبابه الأول:
“لا فائدة من الهرب إلى الأحاديث الجانبية وإحساسك بالذنب يزداد حدة”
ويتزوج صديقه عثمان خليل الرجل السياسي من بثينة البنت الشاعرة، وهنا إعادة تركيب لشخصية عمر الحمزاوي المناضل السياسي والشاعر في الوقت ذاته، فتظهر نفس الشخصية المركبة من أبطال الرواية ليلتقي البطل بما يحاول الهرب منه والبحث عن معني جديد لحياته ، ليكتشف أنه يعيش ازدواجية لم يستطع التغلب عليها وأن حياته السابقة ما زالت عالقة في ذهنه ولكنها بمنحنى آخر. وتعود الصور من جديد ليؤكد صديقه أن السياسة بالشعر وولادة الحياة عبر النضال حين تكون ابنته حبلى.
وهذا يعني أن الشخصية تحمل بعداً رمزياً ولا تملك عالما مستقلاً بذاته إلا في حدود علاقتها بالشخصية الرئيسية، ولذلك يمكن أن نقول إننا إزاء شخصية هي الأصل فهي تملأ المساحة النصية. وتمنح الرؤية العامة للكون والوجود إذ لا نكاد نعلم عن الشخصيات الأخرى إلا النذر قليلاً.
رواية الشحاذ من الروايات الفلسفية والرمزية الجميلة التي صنعت أزمة البطل الفرد عمر الحمزاوي إلى أزمة الإنسان عامة بل إن رواية الشحاذ تدعو الإنسان إلى مراجعة الذات والنظر الى متطلبات العصر برؤية مختلفة. وهي نموذجاً من أدبنا الذهني المعاصر في مضمونه الفلسفي والفكري والصوفي وجميعها تتحرك في سماء حياتنا اليومية.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











