صدر مؤخرا ديوان “الرمل شوق سائل” ليكون بين أيادي جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب 54 في يناير المقبل.
الديوان يعود به صاحبه إلى جمهوره بعدما اكتفى مؤقتا بديوانيه “لاتقم فى الظل” و”سماوات محترقة”، فالشاعر هشام حربي غزير الإنتاج لكنه مبتعد لأسبابه عن “الطباعة”، وربما عكف مؤخرا على استهداف توثيق إبداعه ليفاجيء الكل بمشروع متكامل يعبر عن شخصيته وهويته الشعرية.
“الرمل شوق سائل” تجربة شعرية وشعورية فريدة تميز “حربي” عن أبناء جيله من الشعراء، فهو مولع بجمال اللغة ورشاقة الألفاظ وهو يمتلك ناصيتها بقوة ومن وراء هذه اللغة فكر فلسفي وصوفى عميق يحلق باللغة إلى آفاق عصية على غيره من شعراء التفعيلة.
فى ديوانه هذا نعيش معه جو الصحراء وتحديدا صحراء السعدية فى الجزيرة العربية، وتلك المنطقة هى منسوبة إلى حليمة السعدية بالقرب من مكة المكرمة. هذا المكان الفذ حيث عاش فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم طفولته شحنت شاعرنا بشحنة صوفية وجعلته يطوف فى منازل الصحراء وبواباتها وتساءل هو: هل تعطي الصحراء أسرارها لكل عابر؟ فكان هذا الديوان إجابته الوافية.
أول ما يثير الدهشة هو العنوان: “الرمل شوق سائل”. ترى لفظة “سائل” هذه من السؤال أم من السيولة؟ فلنجبه شعرا، يقول هشام حربي فى مفتتح الديوان:
يشرق فى صباح الرمل حرف لايقول،
وبعض فيض لا يزول
ومن حدود الرمل تبدأ صخرة معراجها
فى الرمل تنبت زهرة قامت لتنشر عطرها
والرمل تسبيح تفرد بالخلود
والرمل فتته الحنين فصار منزلة الوجود.
هاهو الرمل تفتت حنينا وشوقا وأصبح معراجا ومنزلة.
سنجد فى الديوان المعني الآخر “لسائل” بمعني السؤال فى مواضع أخرى، سأترك للقارئ الشغوف اكتشافها بنفسه.
بعد أن مهد هشام للقارئ ذلك التعريف الصوفي لرمل صحراء السعدية كتب يقول عن الصحراء ورملها:
هذا ما سيجعلها تطيل سعالها لتشتت الغرباء تهمس والكلام يعود رملا مفعما بالذكريات فهل ستنظر فى اختلاف الرمل يا ابن الماء والصوت القديم.
وهكذا يستمر حربي بأخذ أيادينا إلى صحرائه الصوفية خطوة خطوة فينقسم الديوان إلى ثلاثة أجزاء: أولها طبيعة الصحراء ويكون هو حادينا فى تلك الرحلة الصوفية وبداية يحذرنا أنها رحلة ليست سهلة فينبهنا ويقول:
سأبدأ خطوتي عكس اتجاه السير، تلك بداية فلتذكريها، بل سأمضي فى طريق موحش عمدا لتتركني الوساوس والمخاوف، حيث أجمعها قبيل السير ثم أميط عن قلبي الحجاب، يعود قلبي مثلما غسلوه أول مرة، فأرى صنوف الجن فى الصحراء تمرح
والعناقيد التي قد علقوها بالنجوم أذوق منها الضوء مرا لاذعا فأعود ألتمس الضياء على جناح من ملائكة الطريق..
إذن فالرحلة محفوفة بالمخاطر لطبيعة الصحراء وطبيعة العابر؛ فلكي نصل لمنزلة الكشف علينا أن نجتاز تلك المفازة بمنازلها وبواباتها ولكل بوابة قصيدة يمتعنا الشاعر فى رحلتنا لاكتشاف الصحراء واكتشاف أنفسنا. فلابد أن نجتاز بوابات العطش والسغب وعين الشمس والمشائين وبوابة الليل وإن لم نستطع اجتيازها جميعا سنمر من بوابة الذكرى.
ثم يحلق بنا شاعرنا الصوفي إلى الجزء الثاني وهو الصفات الواجب توافرها فيمن يجتاز صحراء الدنيا إلى جنة الكشف فيبدأ بقصائد: ادخلوها عاشقين، ادخلوها قارئيين، ادخلوها ماكثين، فخارجين، ثم ادخلوها عارفين وأخيرا فرحين. ثم يصل بنا حادينا إلى منزلة الكشف. هنا تعرف معنى الحياة بعد أن زال عنك حجاب القلب والعين. يقول شاعرنا هشام حربي فى بوابة الكشف:
السماء بداية يا أيها المنذور للضوء، انعكاسات ستبدأ ظلها والظل مسكون، وعند الباب موج لا يجاوزه سليل البحر إلا عندما يلقى صفات البحر عنه، ويرتدى صفة تعيد قراءة الأشياء.
هذه نبزة مختصرة عن ملحمة صوفية لشاعرنا. بقى أن أذكر أن هشام حربي يكتب القصيدة المدورة وهى قصيدة تلغى الفواصل بين الأسطر وترسم لنا الصورة الشعرية المطولة وكأنها قصيدة المقطع وكأن الشاعر أخذ نفسا عميقا وقالها دفعة واحدة فى دفقة شعرية تحمل صفات الوحدة العضوية للقصيدة كلها، وعلى قارئها أن يكون بهذا الوعي ويشارك الشاعر فى قراءتها بهذه الكيفية فالسطر الأول يسلمنا للتاني فالثالث وهكذا، صورة ممتدة وأعين القارئ نهمة تقرأ تفاصيلها بل تجري بين السطور وقلب متسارع يلاحقها ليعيشها. والقصيدة المدورة أول من ابتدعها الشاعر نذير العظمة، يقول: أنا أول من ابتكر ما يسمي بالقصيدة المدورة فى صيف 1958 فى ديوان “عشر شموع”. وتختلف القصيدة المدورة عن التدوير فى الشعر التقليدى كما يقول أهل الاختصاص.
أرجو أن تكون مقالتى قد استطاعت تعريف القراء الأعزاء بديوان الرمل شوق سائل للشاعر هشام حربي، على أمل بلقاء آخر بعد أن ترشف عزيزى القارئ من القصائد وجدها وسموها ومتعة الصعود والكشف.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..












