أخبار عاجلة

استفانيا أوشى: لم أشعر بالغربة فى مصر والواقع أكثر إلهاما من الخيال

حوار – أميرة دكرورى

لم تشعر الكاتبة الإيطالية استفانيا أوشى بالغربة حين وطأت قدماها مصر لأول مرة هذا الأسبوع بدعوة من المركز الثقافى الإيطالى بالتعاون مع دار العربى للنشر بعد ترجمة روايتها الأشهر «أسود صقلية» إلى العربية، بين 32 ترجمة بمختلف لغات العالم. كذلك لم يشعر قراء أوشى فى مصر بغربتها عنهم إذ استطاعت أن تجذب قراءها بخفة إليها وزيادة شغفهم بشأن أعمالها. 

تعد استفانيا أوشى اليوم واحدة من أهم الكاتبات الإيطاليات، خاصة بعد نشر الجزء الأول من «أسود صقلية» فى عام 2019، تلك الرواية التى دخلت قوائم الكتب الأكثر مبيعًا وبيع منها أكثر من 70 ألف نسخة فى أسبوع واحد فقط، ولم يقتصر النجاح فى إيطاليا بل وصل إلى أمريكا وألمانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا. وفازت النسخة الإيطالية بالجائزة الوطنية «يوليِه ريجيوم» فى فرع الأدب.

وُلدت أوشى فى عام 1974 فى مدينة «ترابانى»، بعد تخرجها فى كلية الحقوق، وبدأت العمل فى مكتب محاماة قبل تغيير عملها إلى التدريس. منذ فترة دراستها الجامعية، انخرطت فى الكتابة حتى نشرت روايتها الأولى «زهرة اسكتلندا» فى عام 2011، وبعدها رواية «الوردة البيضاء» فى عام 2012، ومن بعدهما رواية «فلورنس» فى عام 2015. وبعدها بعامين، شاركت فى كتابة مقالة «المدرسة السيئة» مع «فرانشيسكا ماكاني». ثم بدأ نجاحها يغزو العالم بعد نشرها للجزء الأول من هذه الملحمة الروائية. وعن الكاتبة والرواية كان لنا الحوار التالى: 

= أن تبيع رواية 70 ألف نسخة فى أسبوع واحد، أمر ضخم، فى رأيك لماذا حققت هذه الرواية على وجه التحديد هذا النجاح، ماذا لمست فى القرّاء؟

– عادة ما يكون هناك عدة عوامل مرتبطة بنجاح الكتاب وليس الجمهور فقط، منها الإعلام أو سوق النشر وغيرها من العوامل الأخرى. لكن كون الكتاب حقق هذا النجاح على مستوى القراء فهذا يعنى أنه ملأ فراغا ما لديهم أو احتياجا ما داخلهم. بالإضافة إلى ذلك فمؤخرًا القرّاء أصبحوا يكتبسون ثقتهم من القراء الآخرين وهو ما أصبح مؤثرا جدا فى حركة انتشار الكتاب. أنا شخصيا حين أقرأ كتابًا أركز على مراجعات القراء ونقدهم أكثر من الصحفيين أو أماكن النقد الرسمية. 

= استغرقتِ حوالى 3 سنوات من البحث قبل كتابة الرواية، وبعيدًا عن الأحداث السياسية والاجتماعية التى بالطبع احتجتِ للإلمام بها، لكن هل كان هناك شيء ما بالتحديد تبحثين عنه، بمعنى آخر هل توقفت عن البحث بعدما توصلتى لشيء معين، معلومة، شعور، حالة؟ 

– مثل هذا العمل يجب أن يسبقه بحث دقيق لمختلف التفاصيل، لأن البُعد التاريخى لأسرة تعيش فى حقبة زمنية معينة من السهل الوصول إليه، لكن التفاصيل التى تخص الحياة والتعامل اليومى بين الناس، كيف يتعاملون مع الأمور، كيف يتصرفون، وما يرتدون وغيرها من التفاصيل المختلفة هى أكثر ما شغلنى وبحثت عنه. والكتاب مكون من جزءين، ما تم ترجمته إلى العربية هو جزء واحد، لذلك رحلة البحث استغرقت 5 أو 6 سنوات، وهو ما جعلنى انقسم ما بين حياتى الخاصة مع أسرتى ووجودى ومعايشتى لأسرة أبطال العمل، كنت اتبدل بين الاثنين حتى شعرت أنى أستطيع الآن الكتابة عن أسرة «فلوريو» بالطريقة التى أريدها. 

= عشتِ سنوات مع أبطال الرواية، من الشخصية التى كانت الأكثر إرهاقًا فى كتابتها؟

– لنبدأ هنا من الفرق بين مصطلحى شخصيات وأشخاص، لم أتعامل معهم باعتبارهم شخصيات معروفة لكن أشخاص بسطاء عاشوا حياتهم بطريقة معينة، وكان هدفى أن أظهر حياتهم بنفس شكلها دون إضافة تفاصيل لإظهار بريق ما أو أهمية معينة ولكن تناولهم من حياتهم البسيطة التى عاشوها فعلا. أما أصعب شخصية بالنسبة لى فكانت بنشونسو فلوريو لأنه شخصية معقدة بطبيعته وأفعاله سيئة مع زوجته والقريبين منه، لذلك تطلب منى مجهودا أن أصف شخصه بهذا الكم من التعقيد. وفى الجزء الثانى شخصيتان كانوا الأصعب، هما: الياتسو لأن المعلومات عنه كانت قليلة جدا وغامضة والعكس مع شخصية فرانكا فلوريو لأنها شخصية ثرية جدا لدرجة أنه كان من الصعب الإلمام بكل شيء. 

= بمناسبة صعوبة الشخصيات، كتبتِ عددًا من الأعمال التى يمكن وصفها بالنسوية أو تنتصر لقضايا المرأة، هل كان من الصعب بالنسبة لكِ أن تكتبى رواية فى عصور أبوية لنقل، تتمتع بالكثير من السلطة على النساء؟ 

 – كانت معادلة صعبة جدا، لأنه من المفترض أن أحداث الرواية تدور فى فترة صعبة جدًا تعانى فيها المرأة بشكل كبير، ما تطلب آلية معينة فى الكتابة، فحاولت الابتعاد وقت اللزوم عن الشخصية وتنحية نفسى وانطباعاتى جانبًا حتى أعطى الشخصية حقها، نحن نتحدث عن شخصيات تعيش فى القرن الـ 19 فكانت نساؤهم خاضعات بنسبة 100% للرجل فكان يجب أن يكتب عنهن بشكل معين، فى الوقت ذاته كان يجب أن أوازن فى رسم الشخصية حتى تجذب قارئ اليوم. من هنا كانت الصعوبة أيضًا، من حيث إعطاء مساحة لنساء ذلك الزمن لتقديم أنفسهن كما كن، وفى الوقته ذاته تقريب هذه الحياة لقارئ العصر الحالى. 

= الرواية تتناول حياة عدة أجيال تقريبًا، هل كان من الصعب الإلمام بتفاصيل العائلة حتى لا يتوه القارئ؟ 

– كنت مدركة لهذا من البداية، لذلك عند كتابتى للجزء الأول من الرواية حرصت على خلق نقطة انطلاق للجزء الثاني، إذ بدأت بالتمهيد للشخصيات التى ستصبح أبطالا للعمل فى الجزء الثانى وأعطيتهم ظهورا محددا، وفى الوقت ذاته أردت الحفاظ على القارئ الذى يريد قراءة كل جزء على حدا دون أن يشعر أنه فى حاجة إلى قراءة الجزء الآخر ليتعايش أو يفهم أحداث الرواية. ولذلك ختمت الجزء الأول من الرواية بموت فرزينشو وبدأت الجزء الثانى بموته. 

= من خلال الرواية نتعرف على الكثير من الظروف الاجتماعية والسياسية فى إيطاليا آنذاك، هل يمكن الحديث عن العائلة دون سياقها الزمني؟ بمعنى آخر هل يمكن لعائلة فلوريو أن يتواجدوا اليوم؟ هل كانت أحداث حياتهم لتتغير؟ 

– لو حاولنا العثور على عائلة مماثلة تعيش فى إيطاليا اليوم يمكن الإشارة إلى عائلة أنييل، الموجودة فى شمال إيطاليا لكنها تعيش فى سياق مختلف تماما والعائلة تفرعت بشكل مختلف. لكن التشابه فى أنها عائلة ما زالت محافظة على كيان الأسرة التى تتابعت لأجيال وحافظت على اسمها، لا أكثر. لكن بشكل عام فكرة الأسرة فى إيطاليا، فكرة قائمة وقوية جدا على الرغم من أنها ليست بالحجم الكبير، بمعنى أنها يمكن أن تتابع لأجيال لكن تظل الأسرة محدودة صاحبة مصنع مثلا تتوارثه، لكن ليست باتساع وحجم أسرة فلوريو، لن نجد سوى مثال بسيط مثل أنيللى أو منعدم تماما. لكن فكرة الأسرة قوية فى إيطاليا بشكل عام على مر العصور فى إطار أضيق أو أصغر. يأتى فى ذهنى أيضًا عائلة تجرومو، وهى عائلة إيطالية ظلت لخمسة أجيال اليوم متخصصة فى صناعة الباستا أو المكرونة لكنهم أيضًا ليسوا بحجم عائلة فلوريو. 

 

= ترجمت الرواية إلى 32 لغة حول العالم، كيف ترى هذا النجاح العالمي؟ وفى رأيك إلى أى مدى أسهمت الرواية فى إعادة أنظار القراء حول العالم إلى إيطاليا بعد العديد من الأدباء الكبار؟

– حين أسمع إطراءات بهذا الحجم أشعر أن الأمور تتضخم، وينتابنى الخوف والقلق، لأنه يتم تصنيفى مع الأدباء الكلاسيكيين والكبار، فأشعر بنوع من الغطرسة أو الغرور! لكنه بالطبع يسعدنى كثيرًا أن يكون لعملى بصمة ولو صغيرة. أيضًا أكثر ما يسعدنى فى انتشار العمل أنه يغير الفكرة المرتبطة بصقلية باعتبارها أرض المافيا والإجرام وهو ما يزعجني، لذلك من خلال الرواية حاولت أن أعبر عن الفن والثقافة والإنتاج المعرفى والحضارة فى صقلية هذا أكثر ما أفرح به مع كل ترجمة جديدة للرواية. 

= القارئ العربى يتعرف على استفانيا أوشى اليوم من خلال الرواية، كيف تحب أن تعرف هى نفسها للقارئ؟ 

– اليوم حين أعرف نفسى للقارئ العربي، لا أشعر بالغربة عن المكان، فأنا جئت من الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، وأجد الكثير من الصفات والعوامل المشتركة ونقاط الاتصال بين الضفتين، لا أريدكم أن تعتبرونى غريبة بالعكس اعتبرونى ابنة عم أو خال قريبة منكم وهذا أكثر ما يسعدنى أن أقدم نفسى بهذا الشكل للقارئ العربى. ما أحب أن أؤكد عليه أيضًا هو نصيحتى بالقراءة أو الاطلاع على الترجمات والقراءات ومختللف أشكال المعرفة بعيدا عن الكليشيهات أو الأحكام المسبقة المأخوذة دائمًا عن الآخر، فأكثر ما يهمنى تصحيح الفكرة عن أرضى وعن الناس الذين أحيا بينهم، لأن هذا ما يخلق الفرص للتفاهم والتقارب بشكل أكثر إيجابية، وبالطبع القراءة والكتب وسيلة لهذا. 

= هل قرأت للعرب أو المصريين بشكل خاص؟ وما أكثر ما يلهمك؟ 

– لا تحضرنى أسماء محددة الآن، لكن معظم قراءاتى كانت فى الكلاسيكيات القديمة، فى أدب الرحلات، وفى القراءات التى تتقاطع مع بحثي. لكن طوال الوقت أحاول الاطلاع على مختلف أنواع وأخبار الأدب من شتى الأنحاء.  أما عن الإلهام فأجد الملهم الحقيقى لى هو الواقع، فهو يثير الفضول أكثر بكثير من الخيال.

*الحوار منشور في جريدة القاهرة