لم تكن مصر مجرد أرض يجتمع عليها شعب كما هو تعريف الدولة، وإن كانت هى الدولة الأولى فى التاريخ التى تحققت فيها جوانب التعريف، فربما اجتمع كثير من العوامل والظروف التى تجعل من هذا الاسم تعريفا قائما بذاته له من عناصر الهوية ما يستعصى وجوده فى أى وطن آخر أو حالة ربما تبدو لبعض الناظرين أنها مشابهة، فالهوية المصرية بها من المكونات ما يجعلها فريدة نوعا، إنهاهوية قادرة على صنع تراكمها الخاص فى التاريخ كما أنها تحافظ على مكونها الجغرافي، ولذلك فإن هذا المربع من الأرض الممتدة بين البحرين كانت هى مصر المعروفة منذ فجر التاريخ، وحتى فى أكثر فترات الإمبراطوريات المصرية على مدار التاريخ قوة لم يكن هناك من يكسر هذه القاعدة بالرغبة فى التوسع الجغرافى لتظل هذه الأرض بحدودها الثابتة عكس كل ما عرفناه من دول أخرى على مدار التاريخ.
ربما لهذا السبب ولغيره أيضا كانت الهوية المصرية هوية جاذبة طاغية على كل من مر عليها من ثقافات وأشخاص، وحتى فى أشد فترات التاريخ المصرى ضعفا ما يجعل من هذه الأرض نهبا لاحتلال ما فإن الهوية المصرية بقيت هى المدافع الأول عن هذا الوطن بتعريفه الأصيل، وربما نجد فى التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك من قمبيز والإسكندر والهكسوس وهى الأمثلة التى تجعلنا نحكم بمنطق مطمئن على الشعب المصرى أنه شعب ذو هوية صلبة تكمن فى داخله و يبقى متمسكا بها محافظا عليها بوصفها العامل الأهم لديه فى البقاء بما يجعله يستشعر الخطر الحقيقى عندما يتم استهداف هذه الهوية، وربما يكون ذلك هو المكون الأصيل لما يمكن أن ندعوه فلسفة ثورة يونيو، تلك الثورة التى قام بها المصريون للدفاع عن هويتهم حيث لم تكن مجرد ثورة على نظام فشل فى تدبير احتياجاتهم اليومية لكنها فى الأساس كانت دفاعا مهما عما استشعر منه المصريون اعتداء على هويتهم الثابتة ومكونهم الثقافى الذى اعتمدوه متسامحا مع كل طبقات تاريخهم.
*المقال منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع