إذا كان تعريف الهوية ينطوى على المكونات الثقافية، أو بالأحرى الطريقة التى يعرف بها الفرد نفسه وهى الطريقة التى تحتوى على عديد من العناصر والمعتقدات وطرق العيش وسبل النظر إلى الذات فردا ومجتمعا وإلى الآخر، فإن هذه الهوية كذلك هى ما يجعل الإنسان فى حال الاستفزاز عندما تتعرض تلك الطريقة فى الحياة لاعتداء ما وهو ما فسرنا به فى المقال السابق قيام ثورة يونيو التى كانت دفاعا عن هوية المصريين وطريقتهم فى الحياة ورؤيتهم لها، حين شعر المصريون بأن نظاما دخيلا حاول قتل سلامهم الاجتماعى ونفى بعض عناصر هذا المجتمع بعنف ربما تجلى فى محاولات الهجوم على مقامات الأولياء أو الكنائس وحتى فى الترويج لحرمة بعض العادات المصرية القديمة مثل شم النسيم، حيث يمكن النظر إلى كل هذه العناصر بوصفها طبقات الهوية المصرية المتراكمة فى داخلها عبر التاريخ والتى تصنع منها رؤية فريدة يرى بها المصريون حياتهم ويتعاملون معها بوصفها طريقتهم فى الحياة.
ولطريقة المصريين فى الحياة – هوية وثقافة – شكلها الخاص الذى يجعل منها العنصر المهيمن الذى يصبغ كل عنصر دخيل وإن طال الزمن به، إنها تلك الطريقة الضاربة بجذورها فى عمق التاريخ وإن ظهر للبعض فى بعض الأحيان أنها غير قادرة على الصمود فإن أحد هذه الجذور ينبت من جديد لينتج ثمرته الجديدة أو يلون غصنا يبدو دخيلا بلونه المصرى، وهى إحدى أهم عناصر بقاء نواة هذه الهوية باقية على مدار قرون لا تتغير لكنها قادرة على أن تكون مرنة لتمتص كل جديد صالح للتعايش مع أصلها، وربما تفسر تلك المرونة كيف أن المصريين يتسامحون مع التغيرات غير الجوهرية بالقدر الذى يتقبلون فيه الغرباء بشرط ألا يمثلوا اعتداء على هذا الأصل الثابت، وهو الأمر الذى يمكن أن يصلح مدخلا لنقاش أهم جوانب هذه الهوية كما تظهر فى حياة المصريين اليومية بما يجعلها تعبر عن تلك الرؤية الفريدة للحياة والتى تتجلى فى طريقة متكاملة للنظر إلى العالم.
*المقال منشور في جريدة القاهرة
No tags for this post.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











