أخبار عاجلة

حمور زيادة: الأسطورة هى ملعب الأدب العربى وتراثه المحبب

حوار: محمد محمود

«لقد عشت حيوات كثيرة يا حواء. أكثر مما أتحمله. ربما ما عشت طويلا. لكنى عشت كثيرا. وما وجدت حياة أحلى من التى كانت أنتِ. فقط لو أنك أحببتني! لكنى لا ألومك. لقد تعلمت فى حياة عشتها أن الحب كالقدر. لا تملك من أمره شيئًا» هكذا كتب الروائى السودانى حمور زيادة، فى روايته «شوق الدرويش» معبرًا عن الحب، ذلك السر الدفين فى النفس، ولا نملك من أمره شيئا تماما كما قال هو.

حمور زيادة لم يكتب عن الحب فقط، إنما كتب أيضا عن الاختيار والقهر ومصير الإنسان فى مجتمع تحكمه العادات والتقاليد، والسودان وتاريخه وناسه وأحداثه وثوراته المحرك الأول لروايته وشخوصه الدرامية. عبّر من خلال الكثير مما كتب عن أوجاع ومصائر الكثير مما شهدته حضارة وادى النيل القديم، لكن ظلت المرأة المعبر الأول، ومحور الأحداث الأول فى روايته.

يعيش الكاتب السودانى حمور زيادة فى القاهرة منذ عدة سنوات، لكن أعماله الروائية دائما تدور فى فضاءات وعوالم السودان، أعماله القليلة نالت تقديرًا ملحوظًا، ففى عام 2014 فازت روايته «شوق الدرويش» (دار العين) بجائزة نجيب محفوظ التى تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وترجمت إلى الإنجليزية. وفى العام التالى وصلت الرواية نفسها إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). بدأ بمجموعته القصصية «سيرة أم درمانية» عام 2008، ثم رواية «الكونج» عام 2010، ثم مجموعة «النوم عند قدمى الجبل» 2014 وقد تم تحويلها إلى فيلم روائى طويل بعنوان «ستموت فى العشرين» بإخراج أمجد أبو العلاء. وحصل الفيلم على عدة جوائز بمهرجان فينيسيا والجونة السينمائي، وجائزة «أكثر الأفلام الإفريقية تأثيراً». وفى عام 2018 أصدر رواية «الغرق… حكايات القهر والونس»، وأخيرًا نال جائزة تكريما خاصا من معهد العالم العربى فى باريس عن روايته «الغرق» الصادرة عن دار «العين» والتى تتناول قصة قرية على ضفاف نهر النيل هزّها العثور على جثة مراهقة عام 1969.

«القاهرة» حاورت الروائى السودانى بعد تكريمه، جاوب فيه عن الكثير من أسئلته فيما رفض الإجابة عن البعض الآخر، متحدثا فيه عن السودان وتأثره بالأسطورة فى أعماله، والتاريخ ولماذا تتشابه الأحداث التاريخية رغم اختلاف الزمن، وتطرق للحديث عن قصته «ستموت فى العشرين» والتى تحولت إلى فيلم سينمائى ويرى أنها كانت سببا فى معرفة قطاع جديد من الجمهور لأعماله، كما كشف تحويل روايته «الغرق» إلى عمل فنى. 

= تعيش فى القاهرة منذ أكثر من عشر سنوات لكن لا يزال السودان الشاغل الأول فى أعمالك.. فما الذى يمثله الوطن لك؟

– إن بلدى هو قضيتي، وهو ما أعرف، وعنه أحكى، ولن أتحرر من الكتابة عنه. لا أعتقد أننى أحتاج حتى فى التفكير فى «لماذا لا أكتب إلا عن السودان؟». هذا أمر بديهى أن أكتب عنه. عاش الطيب صالح كل حياته فى بريطانيا وفرنسا وقطر، لكنه ظل يكتب عن السودان. عاش ماركيز أغلب عمره فى المكسيك وإسبانيا وفرنسا وكوبا، لكنه ظل يكتب عن كولومبيا.

= عوالمك الإبداعية كلها تدور فى فضاءات السودان.. هل ترى أن السودان يحتاج أن يقدم بصورة مغايرة لما قدم فى فترة ما قبل الاستقلال؟

– رغم أننى أرى أن بلادنا لم يتغير فيها شىء يذكر، فما زالت أسئلتنا هى ذات الأسئلة القديمة لم نجد لها إجابات. لكن بالتأكيد يجب على الأدب أن يطور شكل تناوله وتوصيفه للبلاد. فحتى لو كان الواقع جامداً، لا ينبغى أن يقع الأدب فى هذا الفخ ويتكلّس. وإلا فما نفع الخيال؟ ميزة الخيال أنه حر. يستطيع أن يقدم نفسه وموضوعه فى صور متنوعة.

= الحكايات الشعبية والأساطير لها تأثير عليك.. هل ترى أن مجتمعاتنا العربية لا تزال غارقة فى الأسطورة أم أن الأسطورة تمنحك حرية أكثر فى التعبير عن همومك وشواغلك الأدبية؟

– الأسطورة هى ملعب الأدب العربى وتراثه المحبب. لغتنا نفسها تبدو فى بعض أشكالها أقرب لتوصيف الأساطير. وخيالنا محمّل بها. لذلك تخلبنى وأحب التحرك فى منطقتها. وبشكل ما هى مؤثرة على واقعنا، لذلك هى فى نظرى أكثر الأشكال قابلية للتعبير عنه.

= التاريخ عنصر واضح فى أعمالك الروائية.. هل هو تصوير لواقع حالى مأزوم من خلال التاريخ أم تعبير عن تكرار الأحداث وتشابهها رغم مرور السنوات؟

– بنظرة سريعة يمكننا أن نلاحظ أن تاريخنا لا يختلف كثيراً عن واقعنا. نحن نعيش فى دوامة لم نجد وسيلة للفكاك منها. إننا نطرح ذات أسئلة التحديث منذ حوالى قرن. ونناقش ونعيد مناقشة ذات القضايا، أو أخواتها. إن أزماتنا تكاد تكون هى ذاتها نفس أزمات أجيال سبقتنا بعقود. ممن انتبهوا لذلك كان الأستاذ صلاح عيسى، قد انكب على إعادة استنطاق التاريخ ليقول عبره رأيه فى الحاضر.

= المرأة لها تواجد مهم وواضح فى أعمالك وأحيانا ما يكون البناء الفنى قائما عليها.. هل هو تعبير عن واقع ذكوري يعيشه السودان والعرب بشكل عام أم أن المرأة أصبحت بقهرها المستمر الأكثر قدرة عن التعبير عنه؟

– إننا نعيش فى عالم ذكورى بشكل عام، ليس فقط مجتمعات ذكورية فى مناطق معينة. إن الذكورية قد رتبت العالم كاملاً ومن عقود ليتواءم مع سيطرتها. بينما تكون النساء فيه على الهامش. فقط هناك أماكن أصبحت فيها المجتمعات أقل ذكورية. لذلك فإن التركيز على المرأة فى أعمالى هو موقف نقدى ضد هذا العالم القائم على القهر والتسلط.

=  لغة شعرية كثيرة العذوبة نراها فى كتاباتك.. هل ذلك تأثر بتجربة شعرية لديك لم تكتمل أم أنك ترى أن اللغة أكثر قدرة على التعبير؟

– لا أظن مراهقاً لم يكتب الشعر فى العالم. لقد مررت بالمرحلة التى يمر بها كل مراهق وهو يحسب خواطره هى درر شعرية تنتظر أن تُكشف. لكنى عرفت سريعاً أن هذا لم يكن ما أريده ولا ما أجيده. لذلك تجاوزت كتابة الشعر بسرعة. لكنى ما زلت أعتبر الشعر هو التعبير الأدبى الأرقى. لذلك أنحو نحوه بقدر ما تسمح نثرية الجملة فى الرواية. وأحاول ما استطعت أن تحمل العبارة أو الفقرة موسيقاها وإيقاعها الشعرى داخلها. وما زلت حتى اليوم حين أحتشد للكتابة استعين بدواوين الشعر على سبيل الإحماء.

= فى بعض أعمالك القصصية كتبت عن الدجل وكيف يسيطر على الناس إلى حد يتمكن منهم تماما.. هل ذلك الأمر يعبر عن رجعية يعيشها البعض هذه الأيام؟

 – إننى لا أحكم على معتقدات الناس فى قصصي. فما نعتبره دجلاً هو دين عند آخرين. وطالما هو معتقد خاص بصاحبه فهو حر فيما يعتقد وكيف ينظم علاقته بمن يؤمن بهم. لكن هذه القناعات الماورائية منتشرة فى منطقتنا. بل هى جزء أصيل من أساطيرنا وأفكارنا.

= قصتك «ستموت فى العشرين» تحولت إلى فيلم سينمائى حقق نجاحا كبيرا.. ماذا أضافت لك السينما؟ وهل ترى أنها تزيد من مقروئية الكاتب حقا؟

– فيلم ستموت فى العشرين عرّف قطاعا كبيرا بأعمالي. بل إن بعض فضل ترجمتى إلى الفرنسية يرجع إلى مقال نقدى عنونه ناقد فرنسى بـ«ألم يحن وقت ترجمة حمور زيادة إلى الفرنسية»، كتبه بعد أن شاهد الفيلم.

= حصلت على جائزة نجيب محفوظ من قبل وترشحت للبوكر العربية ونلت تكريما من معهد العالم العربى لكنك ترى أن مقروئية الأعمال هى من تحقق الاعتراف بالكتاب.. هل ترى أنك لم تحصل على اعتراف كاف بإبداعك؟

– ما الكافى؟ لو أن الأمر متروك لما يتمناه المبدع فلن يكون هناك اعتراف كاف. سيظل المبدع يطمع فى الأكثر. لكنى عموماً راضيا عما حققته من نجاح حتى الآن. لا أشعر بضغينة أو ظلم. بل على العكس، أشعر أن الحياة كانت رفيقة بى فى مشوارى الأدبى. ولعلى حسن الحظ ونلت بقدر معقول من الجهد ما يشرعنى بالسعادة.

=ما أعمالك التى ستصدر قريبا؟ وهل سنرى تجارب إبداعية لك فى الدراما أو السينما مجددا قريبا؟

– بالفعل، وقعت مؤخراً من المنتج معتز عبد الوهاب وشركة تيم ون عقداً لتحويل رواية «الغرق – حكايات القهر والونس» إلى عمل درامي. هذه ستكون تجربة جديدة ومختلفة، وأتمنى أن تلاقى النجاح.

* الحوار منشور بجريدة القاهرة

No tags for this post.