أخبار عاجلة

رامى المتولى يكتب: أعمال السير الذاتية المصرية.. تفوق سابق وحاضر بائس

عام 2006 قدم المؤلف البريطانى بيتر مورجان فيلم  The Queenوهو سيرة ذاتية معتمدة على حدث ذا تأثير دولى، وهو وفاة الأميرة ديانا فى حادث سيارة وتفاعل العائلة الملكية البريطانية ورئيس الوزراء تونى بلير مع تأثير هذا الحادث، ومع اختيار العائلة الملكية اعتبار حادث الوفاة هو شأن خاص بها، وقلة التفاصيل والخليفات حوله، ومع شهرة أطرافه وخلافاتهم الزوجية والأسرية التى هزت العرش البريطانى حرفيا، أصبحت هناك فجوة كبيرة بين الحدث وتفاصيله، هذه الفجوة التى ملأها دراميا مورجان ليخرج لنا الفيلم محل الحديث، والذى حقق بدوره شهرة كبيرة وحصد عددا من الجوائز على رأسها أوسكار وبافتا وجولدن جلوب أفضل ممثلة لهيلين ميرين، وبافتا أفضل فيلم.

هذا الفيلم كان النواة الرئيسية لواحد من أكثر المسلسلات شهرة وهو The Crown حيث اعتمد صانعه الإبداعى بيتر مورجان على نفس المنهج الذى سار عليه فى فيلمه لكن بتوسع كبير يسمح بيه الوسيط المختلف والحديث، كونه مسلسلا يُعرض على منصة إلكترونية، وهو ما سمح بتناول سيرة حياة الملكة الإنجليزية إليزبيث الثانية منذ أواخر فترة حكم والدها الملك جورج السادس، وملأ الكثير من الفراغات ما بين الأحداث الجامدة المكتوبة تاريخيا بشكل مقتضب -وبعضها أحداث ووقائع لم تنشر ولكنها نتيجة بحث وتدقيق تاريخى- بأسلوب درامى شيق يعتمد على الصراعات الأسرية والنفسية يحدث بشكل طبيعى وتلقائى بين أفراد أى أسرة بشرية فى العالم.

هذا الشكل أشبع فضول ملايين من المشاهدين حول العالم وجلب للمسلسل شهرة كبيرة، وأعاد صياغة كيفية تناول سير المشاهير فى الأفلام السينمائية التى تعتمد أساسا على الخيال والمبالغة الدرامية فى كثير من الأحيان لا سرد الوقائع الجافة والتدقيق فيها كما الحال مع الأفلام والمسلسلات الوثائقية، وهو ما يؤكد قاعدة واضحة حول مساحة الحرية التى يملكها أى مبدع فى تناول السير الذاتية للشخصيات العامة وكذلك الفارق الضخم فى التناول ما بين الفيلم الروائى والوثائقى.

وحتى مع الضغوط الكبيرة التى مارستها العائلة الملكية البريطانية على صناع المسلسل والمنصة الإلكترونية المنتجة والعارضة له، إلا أن تأثير هذه الضغوط كان هامشيا ولم يسفر إلا على تأكيد منهج صانع العمل من البداية وهو وجود مساحة للخيال وإعادة بناء التصرفات والأفعال اعتمادا على حدث ثابت، فتصبح تفاعلات الأفراد نتيجتها هذا الحدث بناء عليه كنتيجة واقعة، حيث لم يجد أي من المنتجين أو الممثلين –معظمهم بريطانيين- أى غضاضة فى التعامل مع الشخصيات من منطلق درامى بشرى يظهر فى تصرفاته الضعف والحيرة والخوف والحزن وباقى المشاعر الطبيعية، ومن المشاهد الرئيسية فى المسلسل هو وجود الملكة إليزابيث فى غرفة نومها تضع مكياجها أو ترتدى ملابس النوم مثلها مثل أى إنسان يعيش فى القرن الواحد والعشرين.

وعلى منصة أخرى لا تقل شهرة عن الأولى وهى بالأساس شبكة تليفزيونية رائدة فى تجديد شكل وطبيعة الموضوعات التى تتناولها المسلسلات تزامن عرض مسلسل آخر من مسلسلات السير وهو House of the Dragon والذى يتناول سيرة عائلة ملكية أخرى لكنها فى هذه الحالة خيالية لا وجود لها فى الواقع، لكنها موجودة فى رواية مسلسلة شهيرة أخرى للكاتب جورج آر آر مارتن، والسيرة الذاتية هنا لعائلة تارجارين والتى تابعنا آخر سلالتها من خلال مسلسل Game of Thrones، وصناع المسلسل الجديد لم يعتمدوا بدورهم على أحداث الرواية حرفيا، بل اعتمدوا على الخيال أيضا لملء الفراغات التى خلفتها الروايات، وتحرروا من الكثير الذى وضعه وأسسه مارتن فى رواياته والتزم به إلى حد كبير صناع مسلسل Game of Thrones، وهو الأمر الذى خلق مشاعر وردود أفعال متضاربة بين جمهور الروايات وقرائها حول إشكالية الالتزام بالنص من مساحة الخيال، بالظبط مثلما يحدث مع أعمال السير الذاتية المعتمدة على شخصيات وأحداث حقيقة.

ومع النجاحات الكبيرة لهذين المسلسلين عالميا، وإثارة الجدل حولهما سلبا وإيجابا، وعلى الجانب الآخر وبعد طول انتظار يخرج مسلسل سيرة ذاتية مصرى عن واحد من أهم وأبرز فنانيها وهو نجيب الريحاني، الذى يعد أستاذا لأستاذة الكوميديا المصريين والرجل الذى كان السبب المباشر فى وضع أساس للكوميديا المصرية بشكلها الحديث ومدها بأهم فنانيها الذين تخرجوا فى مدرسته وظلت مؤلفاته مع شريك نجاحه بديع خيرى تعرض من خلال فرقته بممثلين آخرين، هذا الرجل بكل تأثيره المهم وأحداث حياته الثرية، ورغبة الجمهور المصرى فى مشاهدة أحداث حياته التى واكبت ثورة فنية واجتماعية وسياسية وتوجه حقيقى لتمصير كل جوانب الحياة داخل القطر، نتج عنه بعد كل سنوات الانتظار مسلسل هزيل ومفكك فنيا ومليء بالأخطاء التاريخية، بالشكل الذى يكشف مدى الاستسهال والاستهتار الذى يتعامل به الصناع والفنانون مع نوع السير الذاتية فى مصر.

ومع وجود أعمال سير ذاتية سابقة تشهد بالقدرة على صناعة عمل جيد جدا ومتفوق فنيًا، ويعتمد على نفس الأصل ولا غضاضه فى صناعته من خلال وسائط فنية متعددة وفى توقيت متقارب، كما حدث مع مذكرات عميد الأدب العربى دكتور طه حسين المعنونة بـ «الأيام» والتى خرجت للجمهور من خلال مسلسل وفيلم بنفس العنوان، وكلاهما أكثر من جيد، بالإضافة إلى وجود أعمال جيدة سابقة عن شخصيات تاريخية ذات تأثير دينى مثل عمر بن عبدالعزيز، أو اجتماعى وسياسى مثل سعد زغلول أو ثقافى مثل على مبارك ورفاعة الطهطاوى أو فنى مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وأيضا تخرج أعمال سير ذاتية أبطالها ما زالوا أحياء ومعاصرين كما الحال مع مسلسلى «الجماعة» و«الاختيار» بجودة كبيرة تكشف اهتماما كبيرا بالكتابة والمكياج والتمثيل، وحتى فى مجال السير الذاتية الأسطورية الخيالية مثل ألف ليلة وليلة بشخوصها أو السير الشعبية بشخوصها، يبقى السؤال ما السبب وراء الاستسهال فى التعامل مع مثل هذه الشخصيات!

المستوى المتردى الذى خرج به مسلسل «الضاحك الباكى» والذى يقف وراءه مخرج كبير اسما وخبرة وهو محمد فاضل ومؤلف هو محمد الغيطى، يجب أن يمثل وقفة فى كيفية التعامل مع الشخصيات العامة وأعمال السير الذاتية، سواء من ناحية حدود الواقع والخيال فى تناول الشخصيات والأحداث، أو العناصر الفنية البصرية المكملة مثل المكياج وتصميم الإنتاج، والأهم هو أهلية الصناع من مخرجين ومؤلفين وكذلك الممثلين للتصدى للعمل والشخصية.

التزامن الذى عرضت به مسلسلات The Crown بجزئه الخامس وHouse of the Dragon و«الضاحك الباكى» يكشف لحد كبير حجم المشكلة التى نعانى منها فى التعامل مع نوع السير الذاتية، فالأخير لا يمكن مناقشته حتى من منطلق حجم تأثر الصناع بشخصية العمل الرئيسية وحبهم لها بالشكل الذى يؤثر سلبًا على باقى الشخصيات كما الحال مع مسلسل «أم كلثوم» الذى يعد بلا جدال واحدا من أفضل مسلسلات السير الذاتية التى أنتجت، فحب مؤلف العمل الكاتب الكبير الراحل محفوظ عبد الرحمن أثر بشكل واضح على رسمه لشخصيات العمل، لكن فى الأساس هناك عمل فنى وضعت ملامحة المخرجة الكبيرة إنعام محمد على يسمح بمناقشته فنيا والاشتباك معه ومع رؤيته الفنية، لكن فى حالة «الضاحك الباكى» ليس هناك عمل بالأساس، هى محاولة جاهدة لعودة مخرج بحجم واسم محمد فاضل، ومحاولة استثمار لنجاح شهرة نجم كبير فى حجم نجيب الريحانى من قبل مؤلف متواضع فنيا، ومحاولة بقاء داخل المشهد المتغير بشدة من قبل عمرو عبدالجليل، كل هذا بالشكل الذى يدفعنا للمطالبة بالعودة للقواعد الثابتة وهى البحث التاريخى أولا ثم السيناريو ثانيا وبعدهما المخرج القادر على التصدى للعمل.

*المقال منشور بجريدة القاهرة