أخبار عاجلة

محمد عطية يكتب: المطربة الشعبية شفيقة.. عندما يأتيك الإنصاف متأخرًا.

 خارج المشهد الرسمى للغناء المصرى فى الثمانينيات من القرن الماضى كانت هناك حياة غنائية أخرى تتشكل على يد أصوات استطاعت تحقيق شعبية طاغية معبرة عن فئة عريضة من الجمهور، هذا الجمهور الذى قرر أن يصنع مشهده الغنائى الخاص بعيدًا عن مركزية القاهرة التى تتعامل بدونية مع كل ما يحدث خارجها وتستأثر وحدها بالحق فى منح من تشاء صكوك النجومية والشهرة.

فى هذا الصدد أطلق مركز المصطبة للفنون الشعبية المصرية فيلمًا وثائقيًا عن المطربة الشعبية «شفيقة»، هذا الوثائقى يعد الأول من نوعه الذى يتناول سيرة فنانة شعبية استطاعت كسر احتكار القاهرة للنجومية، حيث بنت سيرتها الفنية عبر حفلات الشوارع والأفراح فى الدلتا وجميع الأقاليم، وحققت نجاحًا ضخمًا فى سوق الكاسيت.

بدأت شفيقة محمود الغناء فى سن مبكرة تحديدًا فى عام 1970، حيث وقفت بنت الثالثة عشر ربيعًا على خشبة مسرح فرقة ليالينا فى مدينة طنطا، تلك الفرقة كان يقودها والدها عازف الأكورديون محمود عطا، انتزعت تلك الفتاة إعجاب كل من سمع صوتها الذى كان يمتلك بصمة خاصة ببحة صوت مميزة جدًا، حتى اقتحمت سوق الكاسيت فى عام 1980 محققة مبيعات ضخمة جدًا ونجاحًا وضعها كنجمة أولى للحفلات والأفراح الشعبية فى الدلتا وكل الأقاليم.

حمل الكاسيت صوت شفيقة إلى أرجاء مصر كلها، وكان يسهل الوصول إليها، حيث تجدها ليلًا فى الأفراح والسهرات الفنية التى كانت تزيد على عشر حفلات فى الليلة الواحدة ونهارًا عبر كاسيتات سيارات الأجرة والمحال التجارية، حيث كان صوتها الغجرى المتمرد هو رفيق ساعات الملل النهارية وحمل بين طياته ونسًا شعبيًا افتقده تيار الغناء الشعبى الرسمى محققة نجاحًا وشهرة موازية لنجاح وشهرة المطرب الشعبى «أحمد عدوية»، حيث كانت تعتبر المعادل النسائى له، أطلق عليها لقب «سلطانة الكاسيت»  وانطلقت شهرتها إلى الدول العربية وبعض الدول الآسيوية.

 

فى فترة تألقها الفنى كان هناك هجومًا شديدًا على تيار الغناء الشعبى الموازى ووجهت إليه اتهامات بالهبوط والابتذال الفني، وتجلى هذا الهجوم بشكل كبير فى العديد من الأعمال الدرامية التى تناولت صورة المطرب الشعبى الذى لا بد أن يغنى كلامًا تافهًا مسفًا لجمهور غالبيته غارق فى سحابة الدخان الأزرق وصنوف الكيوف المختلفة، تلك الصورة النمطية التى كونها صانعها كانت بعيدة بعض الشيء عن فن شفيقة، حيث لم يهبط إلى الشارع ليستمع إلى أغنياتها المنتشرة والتى كانت تعبر عن العشاق وعن تجاربها وعذابها فى الحب فى أغنيات مثل ( أنا مش راح انسى – جربت الحب مرة – راجع تانى – قمر زمانى – جابلى العنب) والتى لا تختلف كثيرًا فى مفرداتها عن الطقاطيق الشعبية التى غناها مشاهير الغناء الشعبى الطربي.

استطاعت شفيقة أن تخضع سوق الكاسيت لفنها، لم تلتفت إلى اعتبارات السوق الذى يجبر الفنان على السير خلف الأنماط الغنائية الشائعة وطيلة فترة التسعينيات كانت نجمة الغناء الشعبى المتوجة بمبيعات ضخمة جدًا فاقت نجم البوب المصرى حتى وصلنا إلى عام 2004 حيث قررت أن تخوض تجربة الإنتاج بنفسها لكنها ذاقت الفشل لأول مرة لأنها لم تكن على دراية بالتغيرات التى حدثت فى سوق الكاسيت بالإضافة إلى التطور الذى حدث فى الأغنية الشعبية وظهور شكل جديد هو موسيقى «المولد» الذى سيخرج منه بعد ذلك نمط موسيقى«المهرجانات» بالإضافة إلى ظهور الإنترنت، حيث كانت تتم قرصنة الأعمال الفنية بشكل واسع فقررت أن تعتزل الغناء لتدير مشروعًا تجاريًا لم يحقق هو الآخر المرجو منه حتى عادت إلى الغناء فى عام 2007 لكن على نطاق ضيق جدًا فى مدينة الإسكندرية.

تميز الوثائقى الذى كتبه وأخرجه «زكريا ابراهيم» بالتلقائية الشديدة، حيث استعرض حياة الفنانة التى ظلت بجانب أسرتها فى نفس الحى الشعبى الذى ولدت فيه داخل طنطا، مع حوارت مع أقاربها وبعض العازفين الذى عملوا معها ومحبيها، لم يتعامل معها فى إطار نقدي، بل ترك الكل يتكلم بأريحية عن شخصيتها وحضورها الطاغى ودورها الكبير فى إنشاء فرع لنقابة المهن الموسيقية فى طنطا وسخائها الكبير مع الأقارب والمحبين وحياتها الشخصية المليئة بالأفراح والأحزان حتى سقوطها فى مرضها الأخير  ورحيلها فى عام 2011.

مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعى وانفجار حمى النوستالجيا والحنين لفترة الثمانينيات والتسعينيات التى تجتاح وسائل الإعلام حاليًا بدأت مراجعات قوية لتلك الفترة، حيث انتزع عدوية أخيرًا لقب الأب الروحى للأغنية الشعبية الحديثة بعد سنوات طويلة من التجاهل الرسمى وكان هذا الوثائقى المعنون باسم (شفيقة) بمثابة إنصاف متأخر لصوت شعبى لم يطرق باب الإعلام الرسمى قط رغم ما حققته من نجاح وشهرة كبيرة حتى أصبحت أغنياتها من كلاسيكيات الغناء الشعبى.

 *المقال منشور بجريدة القاهرة