ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب أحد نصوص المجموعة القصصية “دوائر من حرير”، للدكتور السيد نجم، والصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور أحمد بهي الدين.
فى رحاب الجد
سر طقوس الماء
اعتاد جدي أن يشرب كميات كبيرة من المياه، إن صباحا أو
مساء أو في ساعات الليل، سواء شعر بالعطش أو لم يشعر. أراه
دوما على حال التعلق بالماء، حتى ولو كان على غير إرادة منه، كأنه يخشى ملاك الموت، يأتيه على حين غفلة، فيشرب ولو جرعة صغيرة جدا.. ريما تحميه وتلطف من جوفه في جهنم! وكانت طقوسه الغريية مع الماء؟!
أخبرني أنه قرر قطع كل علاقة منه مع العالم في الخارج.. لم
أفهم، فابتسم وقال: (يكفيني ما أنجزته وتعاركت من أجله..) لم
أفهم أيضا، فقط شعرت برغبة غريبة في التلصص عليه، لعلي أفهم.
يبدو أنني لست في حاجة للتلصص، اعتاد جدى أن يقص
ويحكي، فعلمت أنه نجح في كل الصراعات التي قرر اقتحامها)
لن أخبرك عما بذله مي أجل أن يضاعف دخله الشهري حتى
ينجح في توفير الخبز والغموس لأبنائه.. نعم، أبناؤه الخمسة.. كل ما يشغله الآن أن يبقى وحده داخل غرفته وفوق سريره، ثم يحتسي الماء، إن ليلا أو نهارا وفي كل الأوقات.
أكثر ما تألمت منه وله، أن تحملت وحدي كل أعباء طقوس
جدي مع الماء.. فلا تمر ثلاث دقائق كاملة إلا وأسمع صوت
النداء باسمي، أعجبتني اللعبة في البداية، بمضي الوقت بدأت
أشعر بالضيق والزهق، حتى هددتني أمي بشيخوختي، ولن أجد
من أحفادي من يقدم لي جرعة ماء!
لم أفهم ما تعنيه أمي، لكني شعرت بشيء ما جعلني لا أتردد في
الاستجابة إلى سباب الجد بأدب جم! تحولت العلاقة بيني وبين
جدي وقلل المياه المعلقة في سور الشرفة، فوق قاعدة خشبية
ومحاطة بسيخين من الحديد.. أصبحت العلاقة بيننا بلا تفكير أو
قرار أمرا أوافق عليه.. بسرعة أجري نحو القلل فور سماع حشرجة صوته الخشن، فلما سألته: (لماذا لا تخرج إلى الشارع؟) أجاب بجملة واحدة، معناها الخوف من الموت بين أقدام الناس في الشوارع، ففضل البقاء وحده فوق سريره، لا يعوزه إلا جرعة ماء، أعد لها العدة.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











