تلك العبارة كانت كفيلة بإنهاء علاقتنا حتى قبل أن تبدأ، أنهى عزفه البارع على البيانو، كانت أصابعه خفيفة رشيقة تتنقل بإتقان لدرجة تعتقد بها أن اللحن الموسيقي يخرج من بين أصابعه دون ملامسة مفاتيح البيانو، جِلْسَتُه أنيقة، مفرود الظهر، مرفوع العنق، شعره الأسود صُفف بعناية حتى أن خصلته الحرة كانت تسبح فوق جبينه ثم تعود موضعها وكأنه أكسبها حبه للدقة.
قبل انتصاف آخر ليالي ديسمبر بعشر دقائق تقدم إلى الطاولة حيث أجلس بخطوات ملؤها الزهو والخيلاء، مِشية المُنعم المُتَفضِل، ضرب بسبابته شيئا علق بياقة بذلته لم يكن موجودا، كانت أنظار الفتيات تتابعه في ترقب ربما غير رأيَّه وتوجه لإحداهن حتى تحددت وجهته، تباينت نظراتهن بين الغابطة والحاسدة إلا واحدة لم يسعها سوى البكاء الحار .
لم يمد يده لي، لم ينحنِ تلك الانحناءة الخفيفة اللطيفة، لقد وقف أمامي ثم أشار إليّ بتلك السبابة التي يضرب بها ذرات التراب غير المرئية “هل تجيدين الرقص؟”، كانت “هل تسمحين ليّ بهذة الرقصة؟” ثقيلة على لسانه، ذاك اللسان الذي اعتاد أن يعطي الأوامر لا أن يطلب، إنه دقيق للحد الذي لا يجعل من السؤال عاديا كان سؤالًا مصيريًا وعليّ الإجابة في أقل من ثانية.
ماذا لو كانت إجابتي “لا “هل سيتجه نحو أخرى تجيد الرقص؟ وإذا كانت إجابتي” نعم “فهذا يعني أنني سأدخل إلى شرك ذاك المتعجرف مطأطاة الرأس وقد خلعت كرامتي وعزة نفسي على الأبواب، أنا على يقين أن هؤلاء المتعجرفون يبيتون الليل يعضون النواجذ على خيباتهم التي يحرصون على ألا يعلمها أحد.
رفعتُ رأسي لتخرج كلماتي لأسفل “أجيده مع من يجيدون الذوق”.
لقد اخترقت كلماتي موضعها المقصود، إلا أنه تظاهر بتجاهلها في طريقه للفتاة الباكية.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











