أخبار عاجلة

أحمد شوقى يكتب: حصاد سوق السينما فى مصر 2022 ..رقم قياسى ومؤشرات مقلقة

حقق «كيرة والجن» إيرادًا قياسيًا.. لكن هل يعنى ذلك صحة الوضع؟

هل تصبح السعودية السوق الأساسى للفيلم المصرى؟

 

انتهى عام 2022 فى قاعات العرض المصرية، ولم يتبق منه سوى إيرادات الأسبوع الأخير المكتمل «21-27 ديسمبر»، والذى لن يشكل فارقًا كبيرًا فى الأرقام الإجمالية المذكورة فى الجدول المرفق، لكنه قد يُحدث تعديلًا واحدًا إذا ما تمكن فيلم «أفاتار طريق المياه Avatar: The Way of Water» للمخرج جيمس كاميرون أن تتجاوز إيراداته فى أسبوع عرضه الثانى خمسة ملايين جنيه تجعله ضمن الـ 15 فيلمًا الأكثر نجاحًا فى القاعات المصرية خلال العام، وهو رقم محتمل فى ظل جمع الفيلم 7.8 مليون جنيه فى أسبوعه الأول بالصالات.

سنضع هذا التعديل المتوقع جانبًا، وننظر إلى الأرقام الموثقة حتى تاريخ 21 ديسمبر، والتى يمكنها أن تخبرنا بالكثير عما يجرى فى السوق المصرى، وما يطرأ من تغييرات على ذائقة المشاهدين، لاسيما مع التزايد المستمر فى أسعار تذاكر السينما، والاختفاء التدريجى لقاعات الدرجة الثانية والثالثة لحساب سينما المجمعات الفاخرة، مما يجعل الذهاب لقاعة العرض تجربةً مُكلفة تحتاج قدرًا من الدخل، بما يترتب عليه من انحياز الجمهور -فى مجموعه- لأنواع بعينها من الأفلام.

رقم قياسى ولكن

النظرة الأولى لجدول الإيرادات ستشير بوضوح للنجاح الاستثنائى الذى حققه فيلم «كيرة والجن» للمخرج مروان حامد، بجمع 117 مليون جنيه بما يقترب من ضعفى أقرب منافسيه «واحد تانى» للمخرج محمد شاكر خضير الذى جمع 63 مليون جنيه. «كيرة والجن» كسر الرقم القياسى السابق لإجمالى الإيرادات الذى حققه فيلم مروان حامد السابق «الفيل الأزرق 2» عام 2019 عندما جمع 103.6 مليون. 

لكن الجدير بالذكر -والمفهوم بداهة- أن قيمة الجنيه ومعدل التضخم وسعر التذكرة قبل ثلاثة أعوام كلها عوامل لا تجعل فارق الـ 13 مليون ذا قيمة حقيقية، ناهيك عن تكلفة إنتاج الفيلم نفسه. بل يُمكن أن نزيد الشعر بيتًا إذا ما ترجمنا هذا الرقم القياسى إلى الدولار، فحتى لو حسبنا إيرادات «كيرة والجن» وفق متوسط سعر الصرف وقت عرضه فى منتصف العام «18.8 جنيه»، فسنجد أن الفيلم الذى حقق إيرادات استثنائية قد جمع 6.2 مليون دولار تمثل الحد الأقصى لحجم السوق المصرى الحالى، ولنتذكر إنه رقم استثنائى يكاد يبلغ ضعفى حجم النجاح المعتاد لفيلم بطولة نجم صف أول مثل أحمد حلمى «3.3 مليون دولار»، وهو بدوره رقم سينخفض كثيرًا بعد التحرك الأخير لسعر صرف الجنيه!

هذه الأرقام تعنى الكثير فى صناعة تقوم بالأساس على التوقعات، فما جدوى إنتاج فيلم متميز بميزانية سبعة ملايين دولار إذا ما كان سقف الأرباح الممكنة فى أكثر الصور تفاؤلًا لن يبلغ هذا الرقم؟ نتحدث هنا عن مقارنة رقم كلى برقم كلى دون حساب نسب الموزعين وقاعات العرض والتى تجعل الميزان أكثر اختلالًا. وهو وضع يكاد يُبشر بنهاية مُحزنة ينخفض فيها طموح السينما المصرية بتاريخها العريق إلى ما تسمح به الأرقام. لكن عنصرًا جديدًا دخل المعادلة فى الأعوام الأخيرة لا يجعل الوضع بهذه السوداوية، وإن كان سيأتى بأثر واضح، بل وخطير.

قاعات المملكة فى الأفق

العنصر هو السوق السعودى الآخذ فى التوسع بشكل هائل، والذى تُحقق فيه الأفلام التى تتمكن من النجاح إيرادات ضخمة يُمكن الارتكان بل والرهان عليها، مع ظهور عدد من شركات الإنتاج السعودية المهتمة بالمشاركة فى إنتاج أفلام مصرية جماهيرية، ليس على طريقة التمويل القديمة التى تنقطع فيها صلة الممول بمحتوى الفيلم، لكن بصورة معاصرة يكون الطرف السعودى فيها شريكًا فاعلًا فى العملية الإبداعية. وبشكل شخصى، ذكر لى أحد كبار المنتجين السينمائيين المصريين فى معرض الحديث عن فيلم أنتجه وطُرح للعرض فى قاعات مصر والسعودية خلال العام المنتهى -أن فيلمه لو كان قد جمع جنيهًا واحدًا فقط من السوق المصرى ما كان ذلك ليُشكل خسارة كبيرة فى ظل تمكُّن الفيلم من تحقيق النجاح المنشود فى قاعات المملكة.

الأمر طريف بطبيعة الحال، يُهدئ مخاوف المنتجين ويحل معادلة الحد الأقصى للسوق المحلى المذكورة سابقًا، لكنه يثير أسئلة من نوع آخر: هل يصير المشاهد السعودى هو الجمهور المستهدف الرئيسى للفيلم المصرى؟ هل يغدو نجاح أو تعثر فيلم فى سوقه المحلى أمرًا غير ذى قيمة إذا ما ضمن النجاح فى سوق مجاور؟ وهل سيصبح المُحدد الرئيسى للأفلام التى يُقدم المنتجون على مخاطرة إنتاجها هو قابليتها للنجاح فى السوق السعودى؟ ربما تكون هذه هى التساؤلات الأخطر خلال الأعوام القليلة المقبلة.

ظواهر أخرى

بعيدًا عن هذه المخاوف يمكننا أن نلاحظ من جدول الإيرادات أمورًا ملفتة، مثل عودة النجم أحمد حلمى لطريق النجاح الجماهيرى بعد تعثر واضح فى فيلمه السابق، ومثل استقرار نجومية محمد عادل إمام وتامر حسنى السينمائية فى منطقة دافئة متقاربة، «عمهم» لإمام جمع قرابة 57 مليون جنيه و«بحبك» أول تجارب حسنى المخرج/المؤلف/الممثل اقترب من 53 مليونا رغم التعليقات النقدية الكارثية حول مستوى الفيلم، فلا يبدو أن جمهور تامر يهتم كثيرًا لجودة الكتابة والإخراج مقارنة بإخلاصه لنجمه المحبوب.

الملاحظة التالية هى تراجع حضور الأفلام الأمريكية فى قوائم الأعلى إيرادًا، فبعد خمسة أعوام ظهر فى العشرة الأوائل ثلاثة أو أربعة أفلام سنويًا، اقتصر الوجود الأمريكى فى 2022 على فيلمين فى المرتبة التاسعة والعاشرة، ورغم أن أحدهما «توب جن مافريك Top Gun: Maverick» حقق نجاحًا عالميًا كبيرًا، فإنه اكتفى بجمع 21 مليون جنيه فى مصر، بما لا يُقارن بنجاحات الأعوام السابقة مثل «سبايدر مان لا طريق للمنزل Spider-Man: No Way Home» الذى جمع 60 مليون و«جوكر Joker» صاحب الـ 40 مليونا.

تناقص حضور الفيلم الأمريكى قد يكون مؤشرًا إيجابيًا إذا ما كانت هذه الإيرادات قد ذهبت للمنافس المصرى، لكن الحقيقة المؤسفة أن هناك تراجعا عاما فى كل الأرقام، تراجع يجعلنا ننظر بترقب وحذر، ونتابع ما ستأتى به الأعوام التالية من إجابات على التساؤلات التى يطرحها الواقع الجديد لسوق السينما فى المنطقة.

*المقال منشور بجريدة القاهرة