ازدهرت السينما الاستعراضية فى مصر حينما كان المجتمع المصرى منفتحا على أفكار وثقافات مختلفة واختفت حينما أصبح المجتمع منغلقا حيث تحريم الرقص والغناء والسينما نفسها.
فلقد بدأ عناق الاستعراض والسينما منذ الأفلام الغنائية الأولى حيث يغنى المطرب إذا كان محمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش بينما مجموعة من الفتيات يرقصن حوله. ليتطور الأمر عبر الأوبريتات التى كان يختتم بها فريد الأطرش أفلامه دائما ثم تبعه بعد ذلك محمد فوزى وغيرهما حيث فتيات يرقصن. وهو ما كان يتواكب مع السينما الأمريكية بنفس الوقت حيث مطرب يغنى وحوله مجموعة من الفتيات الراقصات. وأحيانا كانت راقصة ترقص رقص شرقى بجانب المطرب فى الفيلم المصرى إذا كانت سامية جمال أو تحية كايروكا أو نعيمة عاكف.
فى هذه الفترة تقريبا كان تطور الرقص الشرقى على يد بديعة مصابنى والتى حولته من رقص الغوازى إلى الرقص الشرقى بمعناه الذى نعرفه حتى يومنا هذا أى مزيج بين رقص الغوازى والاستعراضى عبر مجموعة من مصممى الرقصات على رأسهم بالتأكيد إيزاك ديكسون.
خلطة البلدى والسامبا
فى هذه المرحلة أخذت الاستعراضات السينمائية شكلا مختلفا عن السينما الأمريكية والعالمية. بالتأكيد نجد إرهاصات من الفودفيل حيث الرقصات والأغانى والمونولوجات بالإضافة إلى رقص الكلاكيت. وسبب هذا تأثر صناع السينما أنفسهم بهذه الرقصات فى الأفلام التى يشاهدونها من أمريكا وأوروبا وأيضا اهتمامهم واهتمام الموزعين بالأسواق التى كان يباع فيها الفيلم المصرى مثل الشام والعراق والمغرب وأمريكا الجنوبية. وهو ما يعكسه أيضا الكم الكبير من الشخصيات التى نجدها فى الأفلام التى تنتمى إلى الشام أو العراق أو المغرب أو البرازيل بالإضافة إلى رقصات تنتمى إلى هذه المناطق حتى البعيد تماما عن ثقافتنا مثل التانجو والسامبا وأيضا الموسيقى القادمة من هذه المناطق.
ولكننا أيضا نشاهد محاولات مختلفة لصنع استعراضات ورقصات مصرية خالصة مثل أوبريت لمحمد فوزى فى فيلم «يا حلاوة الحب» 1952 إخراج حسين فوزى حيث قدم فوزى أوبريت مع نعيمة عاطف عن علاء الدين وياسمينا والمصباح السحرى. صمم الراقصان أيدى فارس وأرنست صباغ هذه الرقصة بينما قرر المخرج حسين فوزى ألا يصورها بالشكل المعتاد على المسرح فقدمها فى شكل فيلم داخل فيلم وبحركة كاميرا كأنها فرد من الأفراد الراقصة وهو تطور كبير فى شكل الاستعراض فى السينما المصرية.
قفزة فرقة رضا من الشعبى إلى العالمى
بالتأكيد كانت النقلة الكبرى مع فرقة رضا التى دخلت كأفراد فى البداية حيث محمود رضا يرقص رقصة مع شادية ثم فريدة فهمى ترقص فى استعراض ثم محمود وفريدة معا فى استعراض فى فيلم «حرامى الورقة» إخراج على رضا. حتى وصلوا أخيرا إلى الفيلمين الذين نعتبرهما سينما استعراضية مصرية خالصة وهما «غرام فى الكرنك» و«إجازة نصف السنة» وكلاهما من إخراج على رضا. والفيلمان نجد فيهما رقصا شعبيا طورته الفرقة من الرقصات المحلية حيث أضفت عليه شكلا استعراضيا من أجل عرضه على الجمهور على المسرح إذا كان فى داخل مصر أو فى خارجها حيث سافرت الفرقة إلى جميع أنحاء العالم ووصلت شهرتها فى الستينات إلى آفاق رحبة.
بالتأكيد كانت توجد محاولات مختلفة لجعل الاستعراضات والرقصات أكثر شعبية عبر النهل من الحياة الشعبية المصرية إذا كان فى الفيلم الغنائى الاستعراضى الكامل «إضراب الشحاتين» إخراج حسن الإمام وغيره من الأفلام. ولكنها محاولات كانت تفتقر إلى الرؤية والفهم الكامل للرقص والاستعراض فكانت خليطا غير متجانس من أنماط مختلفة جعلت المنتج النهائى لا يمت إلى الرقص المصرى أو الأجنبى بصلة.
الأصالة لا تعنى تقليد الرقص الغربى
وعلى الرغم من أن مصمم الاستعراضات حسين عفيفى كان عضوا مهما فى فرقة رضا إلا أنه اهتم بعد ذلك فى تصميمه للاستعراضات بالشكل الاستعراضى وأهمل الجزء الشعبى الذى كانت فرقة رضا تبنى عليه استعراضاتها. نجد ذلك فى عشرات الأفلام التى صمم استعراضاتها بالإضافة بالتأكيد إلى الفوازير المختلفة فى الثمانينات والتسعينات وسار مصمم الاستعراضات عادل عوض على نفس الدرب مبتعدا أكثر وأكثر عن الرقص النابع من الثقافة الشعبية المصرية ومقتربا أكثر إلى الاستعراض بشكله العالمى وكأن الفكرة هى التأكيد أننا نستطيع أن نقدم استعراضات لا تختلف كثيرا عن الاستعراضات التى نشهدها فى الأفلام الأمريكية والفيديو كليبات التى انتشرت وقتها.
وربما يكون هذا التمسح بالعالمية هو السبب الرئيسى – إلى جانب الانغلاق والتعصب وصعود التيار الإسلامى منذ السبعينات – وراء فشلنا فى صنع أفلام استعراضية مصرية.
بالتأكيد نحتاج إلى إمكانيات كبيرة من أجل صنع أفلام استعراضية ولكننا نحتاج أيضا إلى إرادة وإيمان فعلى بأهمية الرقص وأنه ليس أمرا نخجل منه والأهم هو أن يكون لدينا من المصممين والراقصين من لديهم الثقافة والوعى بأن لدينا تراثا كبيرا من الرقص فى تاريخنا المصرى. تراثا يعود إلى كون الرقص صلاة عند الفراعنة مرورا بالرقصات المختلفة فى ربوع وأنحاء مصر المختلفة حتى تطور الرقص الشرقى فى مطلع القرن الماضي. نحتاج إلى الوعى بتراثنا والإيمان بأن الرقص المصرى فن راق نفخر به أمام العالم كله.
*منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











