أخبار عاجلة

محمول على الوضع الصامت.. قصة نيللي عبدالعزيز

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب قصة “محمول على الوضع الصامت”، للكاتبة نيللي عبدالعزيز، وهي إحدى قصص مجموعتها “شجرة التفاح”.

محمول على الوضع الصامت
هذه هي أول ليلة لي بالبيت دون “هدى”.. الصمت يلف أركان المكان من حولي، إنه لشعور قاتل! كان من الأفضل لي أن أقضي هذه الليلة أيضًا على باب غرفة العناية الفائقة بالمستشفى، حيث تغفو هدى في غيبوبتها مثل الليلتين السابقتين.
فمنذ أن صدمها سائق السيارة الأجرة وهي تعبر الطريق لم أغادر بابها إلا هذه الليلة تحت شديد الضغط من الأهل والأصدقاء، لقد قالوا: لا بد لي من الراحة، ولكن من أين يا ترى تأتي هذه الراحة والبيت خالٍ من هدى؟ إنه بارد وكئيب، وهذا المحمول المزعج أيضًا ماذا حدث له؟ إنه لا يكف عن الرنين! من يا ترى الطالب اللحوح؟
آه، إنها ” شهيرة”! سوف أضبط المحمول على الوضع الصامت؛ لا أريد أن أسمع أي صوت وبالأخص لا أريد أن أتحدث مع شهيرة بالذات وأنا على هذه الحالة من القلق الشديد بسبب وضع هدى.
قررت أخيرًا أن لا بد لي من أن أنام حتى يستعيد جسمي جزءًا من نشاطه.. دخلت حجرة نومي وحاولت أن ألقي بجسدي المنهك علي السرير فلم أستطع، كأن في السرير قوة طاردة، بل أشعر بوجود قوة الطرد الغريبة هذه داخل الغرفة بأكملها حتى أنها أجبرتني على مغادرتها! تعجبت للأمر ثم تذكرت أني لم أنم بهذه الغرفة ليلة واحدة دون أنيستي منذ أقمنا بهذا المنزل فاستسلمت وافترشت الأرض بغرفة المعيشة.. وبمجرد أن أغلقت عينيَ دار أمامها شريط ذكريات حياتي مع هدى.
عرفت هدى أثناء دراستنا بالجامعة، كنا زملاء بنفس الكلية، كنت أسبقها بعامين. في البداية كانت النظرات مختلسة خجولة، مع مرور الوقت أتت الكلمات ولكن من وراء حجاب الخجل هي الأخرى، شيئًا فشيئًا أصبح الأمر واضحًا وضوح الشمس وتعاهدنا على ألا نفترق أبدًا، رفضت هي كل خاطب تقدم لوالدها أثناء الدراسة بحجة الانتهاء منها أولًا. وبعد امتحانات سنتها النهائية خطوت خطوة جريئة وذهبت لخطبتها، مع العلم بأني لم يكن لدي عملًا ثابتًا وقتها فرفض والدها مستنكرًا الفكرة! الحقيقة كان معه كل الحق؛ فلم يكن بين يدي وقتها ما أقدمه لها، لا شقة ولا عمل ولا أي دخل ثابت يُعتمد عليه لبناء أسرة، ولكنها جددت العهد لي بأنها لن تكون لغيري مهما طال الوقت وأنها بانتظاري إلى أن تتحسن الأحوال فألهبت حماسي بإصرارها؛ فأخذت أجد في البحث عن مخرج ولأن لكل مجتهٍد نصيب فقد حصلت على عقد عمل بإحدى دول الخليج العربي في مصنع للمنسوجات، ووافق والدها على مضض تحت شديد الضغط من جانبها، تارة بالحوار وتارة بالبكاء ثم أخيرًا بحيلة الإضراب عن الطعام.
مرت عليّ هناك سنتان عرفت فيهما معنى الصبر الجميل بعيدًا عن حبيبتي، فهي المرة الأولي التي نفترق فيها منذ شاء الله لنا أن نلتقي، وأخيرًا تحسنت الأحوال وتوفر معي المال اللازم لأحصل على سكن خاص بي هناك، وتم الزفاف ورجعت لمقر عملي بالخليج مع عروسي.
كانت حياتنا هنية سعيدة، رزقنا الله بطفلين، “رنا” و “وليد”، كما منّ الله عليّ بسرعة الترقي في عملي هناك فأصبح وضعي مميزًا، وفُتحت لنا أبواب الخير من كل صوب فأصبحت زوجتي تعطي دروسًا في اللغة الفرنسية التي تجيدها لبنات الشيوخ وصفوة المجتمع في بيوتهن، لقد شاركتني الكفاح لسنين طوال حتى أصبحنا نقف على أرضٍ صلبة.
واكتفينا من الغربة ورجعنا بعد رحلة الكفاح لحضن الأهل والوطن بعد أن أسسنا بيتًا فاخرًا وتمكنت من إقامة المشروع الذي طالما حلمت به بعد أن أصبحت خبيرًا بهذا المجال، إنه “مصنع الهدى للمنسوجات”.
اختلفت حياتنا في مصر عما ألفناه من سهولة العيش في الخليج، كنت أظن أن سنين التعب والكفاح قد انتهت لكنني كنت واهمًا، فما إن أقمت المصنع بمصر أصبحت أدور ليلًا ونهارًا في ساقية العمل الذي لا تنتهي مهامه، وغرقت زوجتي في بحر مسؤولية دراسة وتربية الأولاد، فعلى الرغم من أنها أصبحت لا تعمل في مصر إلا أن رتم الحياة السريع وكثرة الأعباء هنا ألقى بظلاله المُرهِقة علي علاقتنا وتواصُلنا معًا كزوجين؛ فصرنا لا نلتقي إلا قليلًا وإن التقينا فلا كلام بيننا إلا عن متاعب العمل ومشاكل الأبناء، لا أعرف كم من الوقت مضى علينا ونحن على هذه الحالة البائسة حتى وجدنا أنفسنا في المطار لمرتين، مرة لوداع رنا وهي مسافرة بصحبة زوجها لنفس البلد العربي الذي كنت أعمل به ليعيدا معًا كرة بناء المستقبل بأيديهما، والمرة الثانية لوداع وليد حيث أصر على السفر لدراسة الهندسة بألمانيا رغم شديد رفض أمه للفكرة وتوسلاتها له بالدموع أن يبقى جوارنا فيكفينا الفراغ الذي تركته رنا بحياتنا على حد قولها.
ومن وقتها ازداد الحال بيننا غرابة، أصبحت هدى صامتة أغلب الوقت، أخرج للعمل مبكرًا وهي لا زالت نائمة رغم أنها كانت دومًا تستيقظ مبكرًا وتشاركني طعام الإفطار، وأعود مساءً لأجدها ساهمة شاردة تحدق في شاشة التلفاز باستمرار بلا وعي ولا أدنى متابعة على ما أظن، غير أنها أصابها الفتور تجاه كل نشاط كانت تمارسه فلا تريد أن تخرج ولا تتحمس لفكرة أن يزورها أحد من الأقارب، حتى شكلها أصبح غريبًا عن هدى التي ألفتها، لقد ذهب بريق عينيها واحتلت مكانه نظرة فارغة من أي مضمون. كما أن مظهرها قد اختلف فأهملت نفسها لحدٍ أصبح مثيرًا للاشمئزاز من جانبي؛ فتعمدت تقليل الأوقات التي أقضيها معها وأصبحت لا أرجع للبيت إلا على موعد النوم حتى أرحم روحي من منظرها الذي أصبح يبعث الكآبة في النفس، وكثيرًا ما نبهتها لأن تهتم بحالها ومظهرها كسابق عهدها وطلبت منها أن تخرج وأن تقابل الناس فكانت تهز رأسها فيما يعني الموافقة ثم لا تصنع شيئًا مما قلته! الحقيقة بتّ لا أعرف أين ذهبت هدى التي كانت شعلة نشاط تحرك وتضيء البيت بأكمله؟
وفي نفس التوقيت استلمت شهيرة العمل في مصنعي كمديرٍة لمكتبي، فقد كانت أفضل المتقدمات للمسابقة التي أقيمت لشغل هذه الوظيفة الشاغرة حين أعلن عنها المصنع مؤخرًا، شهيرة شخصية شديدة الذكاء، عرفت من اليوم الأول كيف تُلم بكل أمور العمل باقتدار، وكيف أيضًا تحكم قبضتها على قلب صاحب العمل باحترافية، رأيت فيها كل ما كنت أهيم به عشقًا في هدى القديمة حين كانت نشيطة متحمسة وودودة، وكل ما أفتقده الآن بشدة في هدى الحالية البائسة الكئيبة.

فأطلقت العنان لهوى القلب ليفعل بي ما يشاء دون أن أعرض الموضوع على عقلي، أو يبدو أنني عرضته ذات مرة فتبرع عقلي وأعطى لي كل البراهين المغلفة بالسكر التي كان يطمح لها قلبي لتقويه بأنني أسير على الطريق السليم، فقد قال لي: “أنت لا زلت شابًا وقويًا، وهدى أصبحت مملة وخاملة، وما هو الخطأ في بناء حياة جديدة تنعم بها وتُمتع نفسك ما دمت لا تفكر إلا في الحلال؟ المهم أن تحافظ على كرامة زوجتك ومشاعرها فلا تجرحها أبدًا، لذا فمن الأفضل لك ولها أن تخفي عنها الأمر كليًا، وهي لن تلاحظ طول غيابك على أي حال؛ فهي أصبحت لا تدري بما يدور حولها أبدًا”.
كان هذا هو ما أشار عليّ به عقلي ويبدو أنه هو الآخر أتبع هوى القلب فشاركه في تخدير ضميري كليًا؛ فسرت في طريق شهيرة منعمًا مرتاح البال.
الآن فقط بت أعرف كم كنت أنانيًا! وكم كنت غافلًا! فتهربت بخسة من مسؤوليتي تجاه هدى، ولم أدرك ذلك أبدًا إلا لحظة سماعي أقوال سائق السيارة الأجرة الذي صدمها حين كان يؤكد للضابط أن الذنب ليس ذنبه؛ فقد كانت السيدة تعبر الطريق حينما كانت الإشارة مفتوحة أمامه وهي هائمة على وجهها وكأنها مخدرة بالكامل، والحقيقة أن كل شهود الواقعة أكدوا كلام السائق ووافقوه الرأي وأقروا بأنها لم تكن بحالٍة طبيعيٍة أبدًا.
إذن لا مفر من الاعتراف بأن هدى مريضة، أظنها مريضة بالاكتئاب، بل هي حقًا وليس ظنًا مريضة به وذلك منذ سفر أولادنا وخلو البيت عليها أثناء غيابي وانشغالي الشديد عنها، أو الأجدر بي أن أقول تشاغلي عنها إن كانت هذه لحظة صدق مع النفس. فقد كان لا بد لي أن أدرك أن ذلك هو سبب انقلاب أحوالها وأن آخذ ذلك بعين الاعتبار وأحتضنها وأبحث معها عن علاج وحل بدلًا من اعتبارها عبأً على نفسي أهرب وأنفر منه وأذهب للبحث عن حياة سعيدة أحياها مع امرأة أخرى بمنأً عنها.
سامحني يا رب.. فأنا فعلًا مذنب ومقصر رغم أنها هي من لم تتخلَ عني يومًا، كل ما أتمناه الآن أن تستفيق من غيبوبتها لنبحث معًا عن روحها التي سُلبت منها، ونستعيد معًا بهجة الحياة التي طالما كانت هي من تصنعها لنا.. وأعاهدك يا رب أني سوف أُبعد شهيرة عن طريقي تمامًا، سوف أعتذر لها عن فكرة الزواج، بل وسوف أُوجد لها عملًا جيدًا بعيدًا عن مصنعي حتى لا أكون ظلمتها هي الأخرى.
علي كل حال يبدو أنني لن أستطِع النوم لهذه الليلة أيضًا، سوف أذهب للمستشفى للاطمئنان على هدى بدلًا من المكوث بالبيت وحيدًا تلعب الأفكار المُرهِقة برأسي المُثقل بالهموم، ولكن ما هذا؟ لقد نسيت المحمول على الوضع الصامت طويلًا، يا إلهي يوجد ثلاثة اتصالات من طبيب العناية الفائقة النوبتجي! فقد طلبت منه قبل أن أغادر أن يُعلمَني بأي جديد أو طارئ يطرأ على حالة هدى سواء كان جيدًا أو غير ذلك لا قدر الله، بل إني رجوته كثيرًا أن يفعل حتى أقسم لي الرجل على ذلك، لماذا اتصل يا ترى؟ هل تكون استفاقت أخيرًا، لا لا قلبي يحدثني بأن مكروهًا حدث لها سأطلبه فورًا، يا الله الرقم خارج الخدمة، ماذا إن كانت ذهبت وتركتني؟ لن أستطيع العيش دونها!
سأطلبه مرة ثانية، الرقم ما زال خارج الخدمة، لن أسامح نفسي، الرقم لا يجيب، سأذهب للمستشفى حالًا، لا أستطيع القيادة، أشعر أن أعصابي لا تطاوعني، لرابع مرة الرقم خارج الخدمة، أستطيع أن أركب سيارة أجرة، والرقم لا يجيب، لا توجد سيارة تريد التوقف، يا له من رقم لعين! الزحام شديد، والرقم ما زال لا يرد، المستشفى ليست ببعيد، سأمشي.. رد! رد! لا بل سأجري، بينما الرقم لا يزال خارج الخدمة، فلتسرع أكثر من ذلك، اجرِ، اجرِ، اجرِ! ألا ترد أيها الرقم اللعين! لقد خطرت ببالي فكرة سأطلب رقم استقبال المستشفى، رقم الاستقبال مشغول، حتى أنت، إنه دومًا مشغول، اجرِ اجرِ! أنفاسي تتسارع، قلبي يكاد أن يتوقف، والرقم ما زال على حاله، أنا على باب المستشفى، أخيرًا وصلت، العناية الفائقة بالدور الخامس، المصعد لا يهبط، هل تحالف الكون كله ضدي في هذه الساعة؟ سأصعد على السلم، اقفز، أتعثر في درجات السلم، لا يهم، عدت للقفز من جديد، قلبي يوشك على التوقف وعقلي يكاد أن يشل، أخيرًا باب العناية الفائقة، يمنعني رجل الأمن، لماذا يا رجل؟ يقول هذا ليس وقت الزيارة، أعصابي لا تقوى على التحمل! إنني أفقد السيطرة على نفسي تمامًا، سأسدد له لكمة قوية، الرجل المسكين لقد طرحته أرضًا فما ذنبه؟ حقًا إنني وغد، لكن هذا ليس وقته، جسمي يرتعش من شدة الخوف ومن فرط الإجهاد، لن يوقفني أحد سوف أقتحم الباب وأدخل بسرعة، دخلت ووجدتها أمامي أخيرًا، وجدتها تَفتح عينيها في إعياء قائلة بصوتٍ شديد الوهن: هل عدت يا يوسف؟
فأجبتها بأنفاسٍ مقطوعةٍ وصوت يرتجف تخنقه الدموع: نعم عدت، عدت ملكًا لكِ إلى الأبد.