كتب- ياسر الغبيري:
جاء إلى مصر سنة 1850 مُوفَدًا من قِبل الحكومة الفرنسية للبحث عن بعض الآثار والمخطوطات، فعكَف على التنقيب عن آثار سقارة، وأجرى حفائر عظيمة حتى كشف مدفن العُجول «السرابيوم»، وكان يعمل في التنقيب منفردًا، دون أن تكون له بالحكومة صلة رسمية، وقد نَقل إلى فرنسا كثيرًا مما عثَر عليه من الدفائن واللوحات الأثرية.. إنه عالم الآثار الفرنسي «أوجست مارييت» مؤسس المتحف المصري بالتحرير.
ظل «مارييت» المولود في فرنسا في 11 فبراير عام 1821 يعمل على هذا النحو حتى جعله سعيد باشا مأمورًا لأعمال الآثار بمصر عام 1858، وكان ذلك بسعي «فردينان دليسبس»، صديق «سعيد» الحميم، وقد بذل مارييت جهودًا في التنقيب عن الآثار، ونُقلت إلى مخازن أُعدَّت لها ببولاق.
كان «مارييت» فتى نحيلًا، أشقر، مرحًا، وعاشقًا للرسم الذي غطّى حوائط البيت برسومات الجنود التي كانت نواة لتصميمه ديكورات وملابس «أوبرا عايدة» التي افتتحت بالقاهرة، ويعود إليه فضل كتابة مادتها العلمية.
وفي سن مبكرة، غادر «مارييت» فرنسا لإنجلترا لتدريس اللغة الفرنسية والرسم في أكاديمية شكسبير، بعدها مات ابن عمه «نستور هوت» الرسام الشهير في الحملة الفرنسية على مصر ووقع الاختيار على «مارييت» ليقوم بتصنيف الأوراق التي تركها.
وجاء العام 1850 محملًا بالكثير من المفاجآت، حيث اقترح عليه «شارل لينورمان» أستاذه في متحف اللوڤر، السفر إلى مصر للحصول على عدة مخطوطات لإنشاء مكتبة قبطية، لكن عند بلوغه أديرة «وادي النطرون» للحصول عليها، فوجئ بالرهبان وقد بنوا حائطًا سدوا به المكتبة حتى لا يدخلها أحد، وأمام الموقف المحبط للمهمة الممولة من الأكاديمية الفرنسية، آثر «أوجست مارييت» القيام بمهمة التنقيب عن الآثار، حيث بدأ عمله عند سفح هرم خفرع. وفي 1 نوفمبر 1850 قام بجلب 30 عاملًا، في يومٍ وصفَ شروق الشمس فيه بأنه أجمل شروق في حياته، وبدأ الحفر في الرمال الغائرة حتى وصل في 11 فبراير 1851 أمام مدخل «السيرابيوم»، وهو سرداب يضم دفنات للعجل المقدس «أبيس».
تحولت رحلة «أوجست مارييت» الشاقة إلى مصر لحالة عشق للآثار المصرية التي رسمها الفنان في مواقع تاريخية، مثل أبيدوس، وغيرها من المواقع التي أجرى فيها مارييت عمليات التنقيب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وعن عشقه لحضارة مصر، قال «مارييت» عن الكتابة الهيروغليفية: «إنه رسم خطير، ما إن ينكب عليك حتى يفرز سمه في دمك، فتصير عالم مصريات مدي حياتك».
قام «أوجست مارييت» بعمليات التنقيب في الجيزة وسقارة وأبيدوس وطيبة والقرنة والكرنك وجزيرة الفانتين، ووصل عدد العمال معه إلى 2870 عاملًا، ويُقال إنه كان في إحدى السنوات يحفر في خمسين منطقة مختلفة. واكتشف مارييت العديد من معابد وآثار مصر، وهو أول من جعل أوروبا تشاهد المعارض الأثرية المصرية، وهو الرجل الذي كان يصفه الخديو إسماعيل بأنه الأقوى في متحف بولاق، حين يطلب منه ملك أو ملكة أوروبية قطعة أثرية فيتخوف من سطوته وتطرفه القوي في حب آثار مصر.
وتكريمًا لدوره البارز في اكتشاف الآثار المصرية وحمايتها، تمت تسمية أحد الشوارع المؤدية للمتحف المصري بالتحرير باسم شارع «مارييت»، وهو الاسم الذي تحمله لافتة الشارع باللغة العربية مُنذ أكثر من مائة عام.
بقي «مارييت» مثابرًا على تعهد متحف الآثار حتى توفي في مثل هذا اليوم 18 يناير من عام 1881، وقد نقل المتحف إلى الجيزة سنة 1891، ثم إلى مكانة الحالي بجوار قصر النيل سنة 1902، ودفن جثمان «مارييت باشا» بمدخل المتحف المصري، وصدر له عن المشروع القومي للترجمة ضمن سلسلة ميراث الترجمة كتابٌ بعنوان «تاريخ القدماء المصريين».
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











