طارق موسى
لم يكن حصول الأديب العالمي نجيب محفوظ على جائزة نوبل العالمية، من خلال كتاباته الأدبية التي ضربت في جذور المحلية، أمرًا متوقعًا للأديب المصري، ابن حي الجمالية بمحافظة القاهرة، حينما أعلنت الأكاديمية السويدية في يوم 13 من أكتوبر عام 1988 منح جائزة نوبل للآداب لأول مرة إلى مواطن مصري، بعد أن كانت ثلاثية “بين القصرين وقصر الشوق والسكرية” التي كتبها “محفوظ” في خمسينيات القرن الماضي، سببًا رئيسيًا في وصوله للعالمية وفوزه بالجائزة المرموقة في الآداب.
البدايات والنشأة
وُلد نجيب محفوظ في ديسمبر من عام 1911، بحي الجمالية بعد عملية ولادة متعسرة جدًا، ما أرهق الطبيب الذي كان يولّد أمه، ومن شدة العناء وخطورة الموقف، الذي هدد حياة الجنين، استطاع الطبيب أن ينقذه وينقذ أمه بإرادة الله وقدرته، ما جعل والده “عبدالعزيز إبراهيم” أن يسمي ابنه اسمًا مركبًا على اسم الطبيب وذلك امتنانًا وعرفانًا بمجهوده، فسمى الوليد “نجيب محفوظ”.
التحق نجيب محفوظ بجامعة القاهرة في 1930 وحصل على ليسانس الفلسفة، شرع بعدها في إعداد رسالة الماجستير عن الجمال في الفلسفة الإسلامية، ثم غير رأيه وقرر التركيز على الأدب.
انضم إلى السلك الحكومي ليعمل سكرتيرًا برلمانيًّا في وزارة الأوقاف “1938: 1945″، ثم مديرًا لمؤسسة القرض الحسن في الوزارة حتى 1954، وعمل بعدها مديرًا لمكتب وزير الإرشاد، ثم انتقل إلى وزارة الثقافة مديرًا للرقابة على المصنفات الفنية.
وفي 1960 عمل مديرًا عامًا لمؤسسة دعم السينما، ثم مستشارًا للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتلفزيون، آخر منصبٍ حكومي شغله كان رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما “1966 – 1971″، وتقاعد بعده ليصبح أحد كتّاب مؤسسة الأهرام.
محفوظ وجدار من السرية على زواجه
تزوج نجيب محفوظ في فترة توقفه عن الكتابة بعد ثورة 1952 من السيدة عطية الله إبراهيم، وأخفى خبر زواجه عمن حوله لعشر سنوات، معللًا عدم زواجه بانشغاله برعاية أمه وأخته الأرملة وأطفالها.
في تلك الفترة كان دخله قد ازداد من عمله في كتابة سيناريوهات الأفلام، وأصبح لديه من المال ما يكفي لتأسيس عائلة، ولم يُعرف عن زواجه إلا بعد عشر سنواتٍ من حدوثه عندما تشاجرت إحدى ابنتيه أم كلثوم وفاطمة مع زميلة لها في المدرسة، فعرف الشاعر صلاح جاهين بالأمر من والد الطالبة، وانتشر الخبر بين المعارف.
بدايات نجيب محفوظ الأدبية
بدأ كتابته الأدبية في منتصف الثلاثينيات، وكان ينشر قصصه القصيرة في مجلة الرسالة، وفي 1939، نشر روايته الأولى “عبث الأقدار” التي تقدم مفهومه عن الواقعية التاريخية، ثم نشر كفاح طيبة ورادوبيس، منهيًا ثلاثية تاريخية في زمن الفراعنة.
ومنذ عام 1945 بدأ نجيب محفوظ خطه الروائي الواقعي الذي حافظ عليه في معظم مسيرته الأدبية برواية “القاهرة الجديدة”، ثم “خان الخليلي” و”زقاق المدق”، جرب نجيب محفوظ الواقعية النفسية في رواية “السراب”، ثم عاد إلى الواقعية الاجتماعية مع “بداية ونهاية” و”الثلاثية” القاهرة.
فيما بعد اتجه محفوظ إلى الرمزية في روايتيه “الشحاذ”، و”أولاد حارتنا”، التي سببت ردود فعلٍ قوية وكانت سببًا في التحريض على محاولة اغتياله، كما اتجه في مرحلة متقدمة من مشواره الأدبي إلى مفاهيم جديدة كالكتابة على حدود الفانتازيا، كما في روايتيه “الحرافيش”، “ليالي ألف ليلة”.
وشرع محفوظ في كتابة البوح الصوفي والأحلام كما في “أصداء السيرة الذاتية”، “أحلام فترة النقاهة”، واللتين اتسمتا بالتكثيف الشعري وتفجير اللغة والعالم، وتعتبر مؤلّفات محفوظ من ناحية بمثابة مرآة للحياة الاجتماعية والسياسية في مصر، ومن ناحية أخرى يمكن اعتبارها تدوينًا معاصرًا لهم الوجود الإنساني ووضعية الإنسان في عالم يبدو كأنه هجر الله أو هجره الله، كما أنها تعكس رؤية المثقفين على اختلاف ميولهم إلى السلطة.
أولاد حارتنا.. تُعرّض نجيب محفوظ للاغتيال
في أكتوبر 1995 طُعن نجيب محفوظ في عنقه على يد شابين قد قررا اغتياله لاتهامه بالكفر والخروج عن الملة بسبب روايته المثيرة للجدل “أولاد حارتنا”، وكانت طبيعة نجيب محفوظ الهادئة لها أثر كبير في عدم نشر الرواية في طبعة مصرية لسنوات عديدة، حيث كان قد ارتبط بوعد مع حسن صبري الخولي “الممثل الشخصي للرئيس الراحل جمال عبدالناصر” وقتها، بعدم نشر الرواية في مصر إلا بعد أخذ موافقة الأزهر.
وطُبعت الرواية في لبنان من إصدار دار الآداب عام 1962 ومُنع دخولها إلى مصر رغم أن نسخًا مهربة منها وجدت طريقها إلى الأسواق المصرية.
لم يمت نجيب محفوظ كنتيجة للمحاولة، وفيما بعد أُعدم الشابان المشتركان في محاولة الاغتيال رغم تعليقه بأنه غير حاقد على مَن حاول قتله، وأنه يتمنى لو أنهما لم يُعدما.
نجيب محفوظ والسينما
ورغم كل هذه النجاحات التي حققها نجيب محفوظ، فإن السينما المصرية لم تنتبه لأعمال نجيب محفوظ الروائية ولم تستعن بها لتحويلها إلى أعمال سينمائية، إلا بعدما كتب أكثر من 11 عملًا روائيًّا وتحديدًا في ستينيات القرن الماضي.
دور فريد شوقي في تحويل روايات نجيب محفوظ إلى أعمال سينمائية
وما لا يعلمه البعض أن أول من انتبه لأعمال نجيب محفوظ الروائية وحولها لعمل سينمائي هو “ملك الترسو” الفنان الكبير والمنتج فريد شوقي، حين اشترى حقوق رواية “بداية ونهاية”، قبل أن تتحول معظم روايات نجيب محفوظ إلى أفلام بعد ذلك.
وعن معاناة عدم تحويل أعماله الروائية إلى أعمال سينمائية، قال نجيب محفوظ فى تصريحات تلفزيونية سابقة: “ظللت مدة طويلة أعمل في سيناريوهات، لكن السينما لا تعمل لي أي عمل من رواياتي الأصلية”.
ولم تتجه السينما المصرية إلى الاعتماد على الاقتباس من الأدب الروائي إلا في بداية الخمسينيات، ولم يبدأ اقتباس روايات نجيب محفوظ إلا في فترة لاحقة في أول الستينيات، رغم أنه كان قد كتب 11 رواية. المفارقة أن نجيب محفوظ لم يكن يتدخل في سيناريوهات هذه الأفلام المقتبسة فهو يرى أنه “من الصعب عليه باعتباره الكاتب الأصلي أن يتخلص من أسره الأدبي له ما قد يضر بالفيلم نفسه”.
تُوفي نجيب محفوظ في 29 أغسطس 2006 عن عمر ناهز 95 عاماً إثر قرحة نازفة بعد عشرين يومًا من دخوله مستشفى الشرطة في حي العجوزة في محافظة الجيزة لإصابته بمشكلات صحية في الرئة والكليتين، وكان قبلها قد دخل المستشفى في يوليو من العام ذاته لإصابته بجرح غائر في الرأس إثر سقوطه في الشارع.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











