ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب ومعرض الكتاب قصة “غسان” من المجموعة القصصية “ساعة حضور بورخيس”، للكاتب عبدالعزيز دياب، والصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور أحمد بهي الدين.
“غسان”
في لحظة واحدة نطقنا جميعا باسم الولد، … هكذا:
غسان. غسان
كنا نبحث عن اسمه القديم، فلم نجده، اختلفنا كثيرا ونحن
نستدعى من ذاكرتنا الأحرف الثلاثة المكونة لاسمه القديم، فمنا
من قال سعد، ومنا من قال دعد، وفهد، وعمر…..، فامتعضنا
كثيرا ولجمنا أفواهنا حينًا من الوقت، حتى انبثق اسمه في لحظة
كالبرق: غسان.. غسان.
لم يكن للولد أب، فأبوه مات أو قتل، أو هاجر، أو أصابته
اللعنة، فاستحال إلى حجر… كلب… هر، لا يهمنا ذلك، المهم أن
الولد في هذه اللحظة- بدون أب، فتخيل كل واحد منا أنه أبوه،
أبوه الحقيقي، أبوه الذي أنجبه من صلبه، بعد أن أغوته حورية، أو
جنية، أو ست الحسن والجمال، خرجت له من لوحة بديعة مشدودة إلى جدار، أو انشق عنها ماء البحر، أو هبطت من السماء
تحاوطها جوقة من الوصيفات الحسان… كل واحد منا كان في
ومعشوقته التي أغوته، فضاجعها في خلاء… في تجويف
صخر… في قعر بحر، كل واحد منا انتظر مولوده، تلقاه على
كفيه، بحث له عن اسم يزيد عن ثلاثة أحرف، فنطقنا
جميعا في لحظة واحدة: غسان… غسان.
كأننا جميعا كنا شخصا واحدا، شخص يمشي، يأكل ويشرب
ويعمل، كما هو حال كل البشر، لكنه نسى أنه مثل كل البشر
يحتاج إلى الولد… السند… الوريث، وفى غمرة نسيانه كان مندفعا بقوة غامضة، فارتطم بجدار… صخرة… شجرة، انفرط إلى عدة شخوص- الذين هم نحن- حملوا الولد- الذي ليس له أب- واسمه غسان… هكذا نطقوا الاسم مرة واحدة، لم يعرفوا معناه، لم يستعيروه من أسماء أجدادهم الراحلين، كل هذا لا يهم، المهم أنهم اتفقوا على أن يكون غسان.
لم يكن للولد أم فأمه فجأة تلاشت… ماتت… تزوجت… باعت
نفسها في سوق النخاسة، عبدة امتلكها آخر… بغل… فحل، لا يهم
ذلك، المهم أنه الآن هكذا بدون أم، فتلقفته أيدينا، نحن جميعا
حملناه بحنان أم تلقت وليدها، فما عساه الولد يحتاج بعد ذلك إلا
إلى حلمة وثدي، فبرزت لنا نحن الرجال أصحاب الشوارب الكثة
أثداء ممتلئة دفئا ولبنا، فتلقفها الولد واحدا وراء الأخر، حتى أخذه النعاس، فتراجعنا بحذر- نحن الذين أرحناه على وسادة ناعمة عندما بدأ يضحك.. يكركع، قلنا تضحكه الملائكة، لعله يحلم بأننا جميعا نغنى له، لم نصبر كثيرا فخرجت أصواتنا مجلوة..
ندية، لتزداد ضحكاته… كركعاته، ونحن آباؤه/أمهاته نتمنى أن نقفز مع الولد- الذي أسميناه غسان- إلى داخل الحلم.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











