فى صدر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» اختار المخرج سميح منسى مقولة: «لو كان بيدى أن أمحو لمحوت سنوات من الطيبة الزائدة عن الحد، والسذاجة التى تصل إلى الاعتقاد بأن كل الناس أنقياء» للكاتب العالمى جابرييل جارسيا ماركيز شعارا له. وبعد أن غيب الموت سميح منسى (1956 – 2023)، أدركت أنه اختار عنوانا لحياته.
ملامحه الهادئة كانت تُخفى بركانا اقتربت حممه من السطح، لكنه – وهذا العجيب فى الأمر – ظل محافظا على وقاره، وابتسامته، والأمل فى صلاح الأحوال، بعد أن ظُلم كثيرا، رغم دأبه واجتهاده وحماسته، وهو ما يظهر جليا فى مسيرته الإبداعية، التى لم أصدق عندما أطلعت عليها؛ فعلى صعيد الأفلام التسجيلية أنجز ما يقرب من 13 فيلما تسجيليا تنوعت عناوينها وموضوعاتها وقضاياها؛ فكان منها: «للذاكرة وقائع»، «الشيخ يغنى »، «يوم فى أبو الريش»، «متاعب نسائية»،«مرسوم على البحر»، «سيوة محمية»، «تدوير المخلفات الصلبة بمحافظة الفيوم فى جزءين »، «أغنية فى المنفى»، «الملك فنانا»، «مقاهى وأزمنة»، «نازلين التحرير» (جزء أول) و«قناة السويس » فى جزءين. وكان آخر فيلم من إنجازه هو «سيرة البطل الشعبي».
. أما منجزه فى سياق الأفلام الروائية القصيرة فتلخص في: «الرجل ذو الشارب والبيبيون»، «توبا» و«آوان البحر». وعندما قادته قدماه إلى السينما التجريبية قدم: «رؤية الشيطان »، «الحد المرن» و«برودة القلق».
هنا يسترعى الانتباه أن «سميح »، الذى تخرج فى قسم الفلسفة بكلية الآداب فى جامعة القاهرة، ودرس الإخراج فى المعهد العالى للسينما، ودرس بالمعهد العالى للنقد الفنى بأكاديمية الفنون، وعين مخرجا بالمركز القومى للسينما، كان يتبنى القضايا التى تُشكل جزءا من شخصيته النفسية والإنسانية. وظل طموحه يقوده طوال حياته الوظيفية؛ حيث تقلد منصب مدير إدارة الأفلام التجريبية، ومنصب مدير مركز الثقافة السينمائية، ومديرعام الإدارة العامة للإنتاج بالمركز القومى للسينما، وعضو لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة.
غير أن المثير للدهشة أن طموحه الإنسانى الأخلاقى والمشروع وقف حائلا دون ترقيه بالشكل الذى يليق بإمكاناته، وهى الواقعة التى أماط اللثام عنها د. وليد سيف، رئيس المركز القومى السابق للسينما؛ عندما كتب عقب الوفاة مباشرة:«سامحنى يا سميح يا منسى كان سميح -الله يرحمه- راغبا بشدة فى المد له مديرا عاما للإنتاج بالمركز القومى للسينما عند بلوغه سن المعاش وواجهت هذه الرغبة بمنتهى الحدة بكل أسف.. كنت أعتقد أن الدماء الجديدة سوف تحسن من حال الإدارة لكنها مع الأسف كانت دماء فاسدة.. كان سميح سواء اتفقت أو اختلفت معه إنسانا نقيا وفاضلا، فضلا عن أنه فنان بلا أدنى شك.. فليرحمه الله ويغفر لى وله». وكان «سميح» قد روى لى الوقائع كاملة، ونحن فى الدورة الأخيرة لمهرجان الإسماعيلية. غير أن شهادة لوجه الله فى حق إنسان غيّبه الموت نطق بها مهندس الديكور شادى الأمانى دياب، عندما كتب على صفحته الشخصية يقول: «هذا الرجل كان فنانا ومحترما و خدوما..وراجل وكان أول واحد شجع جيل الشباب بالمركز بدون أى مصلحة هو أول واحد سعى فى تعيين جيل الشباب فى الإدارات الفنية لما كان مدير عام الإدارات الإنتاجية بالمركز القومى للسينما. رحمة الله عليه، كانت الضحكة الحلوة ودمه الخفيف ما بيفارقش وجه ويستقبلك أجمل استقبال. كان داعما قويا لجيل الشباب وكمان تحس إنه شاب وكان يقول كده وكان ثائرا على الغلط ويكفيه أنه عمل أحد أهم أفلام ثورة 25 يناير من إنتاج المركز القومى للسينما وكان مخلصا فيه وسبحان الله مات يوم 25 يناير ده أكبر تكريم لهذا الرجل الفنان عليه رحمة الله».
حظ أم مؤامرة !
مرة أخرى تعود لتلح علينا عبارة ماركيز، التى يقول فيها: «لو كان بيدى أن أمحو لمحوت سنوات من الطيبة الزائدة عن الحد، والسذاجة التى تصل إلى الاعتقاد بأن كل الناس أنقياء»، ففى تلك السنوات عمل سميح منسى كمساعد مخرج فى الأفلام السينمائية ( تسجيلية / روائية طويلة)، كما عمل كمخرج منفذ فى الدراما التليفزيونية، وأخرج برنامجا تليفزيونيا بعنوان « لحظة نور» (58 حلقة) ،ومارس الكتابة فى السينما، وأخرج أفلاما وتنويهات دعائية قصيرة، وأفلام تجريبية قصيرة لحساب المؤسسة الثقافية «بروهلفسيا» السويسرية الأمر الذى يعنى أنه صار مهيئا لإخراج فيلمه الروائى الطويل الأول، وبالفعل جاءته الفرصة فى تجربة «واحد كابتشينو»(2005)، الذى أنتجه وقام ببطولته عبد الله محمود، لكن لأسباب غامضة لم يعرف أحد أسبابها حتى يومنا هذا ظل الفيلم حبيس العلب، لمدة تقترب من العام ونصف العام، ما اضطر منتجه، الذى كان يصارع المرض الخبيث، إلى بيعه لإحدى القنوات الفضائية من دون أن يُعرض فى صالات السينما، ما أصاب سميح منسى بُغصة أزعم أنها كانت إرهاصة الأزمة القلبية التى لازمته بقية حياته، وحتى عرضه الأول فى إطار الدورة الثانية لمهرجان الفيوم الدولى لسينما الشباب لم يرو ظمأه، ولم يُشف غليله.
أفكار لم تر النور
رحل سميح منسى عن عمر بلغ ٦٧ عاما لكن أحلامه لم تمت فى أي لحظة؛ فقد كانت تنتظره الكثير من المشروعات والأفكار؛ مثل فيلم «المايسترو» الذى كان يُحضر له، عن الموسيقار العالمى أحمد الصعيدى، كما أنهى استعداداته لتصوير ومونتاج فيلم تسجيلى بعنوان «صانع يوم 23 يوليو 1952» عن الضابط المناضل البطل والشاعر يوسف صديق، كما كان يُحضر لتصوير فيلم تسجيلى عن د.أميره حلمى مطر، الذى كان أستاذته فى الفلسفة. وأعلم أصدقاءه المقربين أنه بصدد إنجاز مجموعة أفلام تسجيليه جديدة عن شخصية مصرية بسيطة باسم «عم امبارح».. وفيلم «صورنى ابعتللى ع الواتس وإنستجرام» وفيلم مصرى عن تاريخ مجموعة جنود «الكتيبة الطيبية» المصرية.
لقد كان بركانا من الحمم والأفكار، ومثقفا أدبه قدرة على نظم فكرته ورسالته بشكل يمزج بين الجدية والسخرية، وفوق هذا كله معارضا من طراز خاص ورفيع.
** نشر في جريدة القاهرة بتاريخ 31 يناير 2023
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع