ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قراءة الناقد طارق عبدالوهاب جادو، في المجموعة القصصية “امرأة على حافة العالم”، للكاتبة عزة المقهور:
*****
يبدو الحنين إلى الماضي و ذكرياته التي عاشت بين القلب و الروح جلية كما الشمس في كتابات الأستاذة عزة المقهور الكاتبة الليبية المبدعة في مجموعتها القصصية المعنونة ” امرأة على حافة العالم ” ، تأخذنا فيها بين مشاهدات و أحداث عاشت بعضها مؤكداً و أخرى كانت من نسج خيال طاف بالماضي و امتزج بأحزان الحاضر و مكابداته ثم استشرف المستقبل على أمل التقاء الحلم بالواقع و الآمال .
عند العتبة الأولى المتمثلة في عنوان المجموعة تجد الخيط الأول الذي يشدك إلى ما تحتويه القصص من حنين جارف إلى ماض كان زاخراً بالجموح و الطموحات ، فالوقوف عند حافة العالم يمثل الوصول إلى أقصى الغايات من الترحال و السفر بالجسد أحياناً و بالروح تارة أخرى لامرأة عاشت الكثير و خبرت من الأحداث و المكابدات ما مكنها من تجسيد شخصيات قصصها بخنكة و دربة و اقتدار ، هي المسافرة إلى باريس مدينة الأنوار و الجمال ، الهاربة من الخريف القابض على الأشياء من حولها و على سني عمرها التي تتفلت من بين الأصابع ، كما هو الحال في قصتها ” الطابق الواحد و الثلاثون ” ، وهي ذاتها تلك المصورة الفوتوغرافية التي التقطت وجه تلك المسنة الجالسة في شرفتها تبحث عن رفيق تبثه أحزان الرحيل عن عالمها الأول ، وأيضاً .. القابع على حافة العالم ، علهما أن يجدا السبيل إلى الفرار من الفراغ أمامهما بينما يتأملان السماء و الطيور التي تميل بأجنحتها المحلقة كأنما هو حلمهما المشترك في الحرية و الانطلاق في عنفوان مفقود ، تلك هي الحكاية في قصة ” امرأة على حافة العالم ” وهي التي حملت المجموعة القصصية عنوانها ليصبح هو المفتاح لكل ما تلاه من أقصايص و حكايات .
أما عن البناء السردي للمجموعة فقد ارتأت كاتبتنا أن يكون تقليدياً مسترسلاً في حواراته و صوره ، حنى لكأنه بالإمكان أن تجعل من تلك القصص المفردة فصولاً مجزأة من رواية بطلها واحد ومشاهدها متعددة . يتضح ذلك بجلاء شديد في قصص مثل ” زيتون ” ذلك الذي يستدعي ذكريات أبيه الشاعر مع أمه التي لا تكاد تمسك كتاباً حتى ولو كان بالمقلوب ، يخايله حديث أبيه في الحمى : ” قلت لك ارحل .. البلاد يحكمها أهلها ” .. ” هيا ارحل .. ارحل فأنت لست منهم ” .. فلا يفهم ” زيتون ” السبب في الطلب لتفسره لنا ” عزة المقهور ” في مفارقة صادمة عن الوطن و أرضه ومآله : ” كان يحكمها غير أهلها لذا تعين علينا البفاء .. و حين حكمها أهلها جاؤوا بالجوع و الفقر و القتل ” !! .. ذلك هو الواقع الصادم الذي يعيشه الآن وطن مسلوب .. ولكن من أهله !
وفي قصة ” الرجل ” التالية مباشرة نجد البطل المأزوم تحدثه أم شبيهة عن فكرة مغايرة وأكثر شمولية ، عن الحلم و الواقع ، ما تلمسه بيدك وما لا تطاله رؤاك ، كيف لخيوط الشمس أن تتلاقى لتسقط و تتركز في ورقة شجر خضراء أسطورية لا يعرف عنها أحد شيئاً حتى من هم خبراء بالزراعة و النبات ، و نجد البطل يعيش نفس الحالة على سرير المرض يحاول استجلاء الحقيقة ، هل من اللازم و الضروري أن نلمس الأشياء بأيدينا لنتحقق من وجودها أم أنه بالإمكان أن توجد حتى وإن خلقت أولاً في ضمائرنا و مشاعرنا و خيالنا الجامح ؟! .. ولأن الكاتبة لا تحب لنا أن نعيش اليأس و نفقد الأمل نجدها في نهاية القصة تحزم لنا أشعة الشمس الملوحة من بعيد عبر نافذة الغرفة المستلقي بطلنا فيها على سرير المرض – وربما الموت ـ- ليتأكد في لحظاته الأخيرة من وجود تلك الورقة الخضراء من الشجرة الأسطورية فتضيء وحدها بينما يعتم كل شيء حوله .
ولمشاهدات الماضي في قصص ” عزة المقهور ” نصيب كبير جسدته لنا في عدة فصول من هذه القصص الروائية أو الرواية القصصية ، مشهدات ربما لا تعدو كونها لحظات بسيطة المضمون كالتهام ثمرة فاكهة كما في قصتها ” هكذا أكلت المانجا ” ، وأخرى أطول قليلاً حين تروي مكابدة امرأة وزجها في حر الصيف وصهده مع انقطاع الكهرباء بينما ” طريق السكة ” يتلألأ بأنواره و كهربائه ، وتطول الحكاية أكثر مع قصص مثل ” قشور الكاكاوية ” و ” توتة عمي بومدين ” و ” رد الشيرة ” .. ثم نرى الختام في قصتها التي ذيلت بها ضفائر القصص “يس .. يم” أو ” يسار .. يمين ” وهي قصة التحول الذي جرى لفتاة العرض المدرسي من فتاة الحلم في واقع مدني يزخر بالتطلعات نحو العلم و المعرفة و الاختلاط مع الآخر و انغماسها القسري في عرض عسكري يرمز إلى التحول لفكر المجتمع و السلطة في ذلك الوقت .. مشاهد متقطعة متتابعة تحكي مكابدات و معاناة تلك الفتاة و زميلاتها الصغيرات الحالمات بالغد الصبورات على الأذى كما تقول الكاتبة فتصفهن لنا وكأنهن يعبرن عن ذاتها هي ، وكيف أنهن قد استطعن الحفاظ على أنوثتهم و قدرن على نسج جدائلهن و أن يكبرن مع أحلامهن بعد أن نزعن غطاء الخوف عن الروح و قاومن الانزلاق نحو الكراهية .. وفي النهاية أمكن لهن أن يردمن الفجوة التي فتحت وتعمقت بين أنفسهن التواقة المتطلعة نحو الأفضل و الأجمل و تلك التي أطلقت لقمعهن و قتل أحلامهن الصغيرة .
وأخيراً .. ينبغي الالتفات و الإشارة إلى لغة الحوار و السرد التي انتقتها ” عزة المقهور ” من صميم الوطن و محادثاته اليومية ، فهي لغة عامية ليبية تقدم لنا وتصف بعبارات و مصطلحات جزلة الكثير من الصور و المشاهد اليومية من الحياة الشعبية الليبية لنتعرف على الكثير و الكثير من عادات و تقاليد هذا الشعب العربي الطيب والجميل معاً.. نأكل من طعام موائده و نحكي عن أحزانه ونتطلع معه لآماله و طمواحاته نحو عالم و حياة ومستقبل أفضل .
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











