أخبار عاجلة

مجدي نصار يكتب: تنويع الخطاب والأدوات ومجادلة المألوف والمغاير في “سرير فارغ”

في مجموعتها القصصية “سرير فارغ” تُنوِّع الكاتبة سمية عبد المنعم الخطاب السردي، تنتقي المشاهد القصصية المتميزة، تدخل عوالم شتى، توازي بين الثنائيات، تخلق مواقف سردية جديدة، وتستغل عددًا من التقنيات القصصية عبر خمس عشر قصة.
في “شارع”، تبدع في وصف الشارع وجسد البطلة، توظف المجاز البسيط والدال “شعر لم يذق طعم التصفيف منذ شهور”، تضفر مشهدين “حدثين” في مشهد واحد، تجادل منظور المجتمع للأنثى وتقارنه بمنظوره للذكر.
زاوية الرؤية في “إيزيس” متميزة، ترى العالم “عالم القطار والحياة” بعين البطلة التي تعاني الوحدة، تفرض إيقاعًا موسيقيًا بالتكرار “وحدها .. وحدها تمامًا”، تربط بين بحث البطلة عن زوجها الغائب وبحث إيزيس عن أوزرويس كما جاء في الأسطورة.
في “ناجية” التي توزاي فيها بين عالمين – عالم الأحياء وعالم الأموات – تخلق سردية مختلفة، سردية ذهنية وخيالية تتكيء على فانتازيا مغايرة، إذ يتحدث الموتى تحت الركام بصوت لا تسمعه الأذن، بل يسمعه القلب، يسمعه الحس.
تعتمد على التخليق القصصي في “الولي” و”قميص أخضر”؛ في الأولى، تصنع صدفة، تجمع شتيتين، امرأة تعاني الفقد وعابر يزور المقام. في الثانية تخلق فانتازيا بديعة، نقلت القصة إلى مستوى مفعم بالخيال، طارت فيه البطلة إلى العالم الآخر مع الحبيب المفقود، ثم صارت الدنيا كلها خضراء. في هذه القصة تستخدم القميص كمعادل موضوعي لذكرى الحبيب الغائب.
في “المحجر” تجادل قضية عمالة الأطفال بأسلوب شيق رغم المباشرة، تصنع في النهاية مفارقة يختار فيها الطفل الموت عوضا عن حياة بائسة. في “الحديقة” يتداخل وعيان، يمتزجا ويسيرا جنبا إلى جنب، وعي الطفلة التي كانتها الراوية ووعي الراوية وقت القص، فتخرج القصة في مستويين، كلاهما يقحم القاريء في معايشة الحدث أولًا وفي الشعور بآثاره على البطلة ثانيا. تقول إنها لم تنس المغامرة، ثم تحكي عن تحول الحديقة إلى مبنى ضخم “كتلة صماء”، في إشارة إلى التجريف الذي أصاب الجمال.
توظف تقنية السيناريو السينيمائي في بنية “مواء” (نهار داخلي – نهار خارجي) ثم تصبغها بالصبغة الأدبية، كاشفة عن المشاعر والأحاسيس، مطعمة القص بالمجاز المعبر.
في “الطاحونة”، تلك القصة البديعة، ترسم الشخصيات ببراعة “الأم والطفلة ومسئول الطاحونة”، تعتمد على الحذف كتقنية فنية تشعل خيال القارىء، فالمسكوت عنه في حال الأم الأرملة أكثر من المباح به، ما يمنح القاريء إلى جانب المتعة فرصة لرسم عدد من التأويلات.
تتميز المجموعة بالقدرة على رسم المشهديات المتدفقة، يتضح هذا جليًا في قصة “المبروكة”، فمثلا مشهد وقوف الأم الثكلى أمام بيت الشيخة المبروكة مشهد بديع، وضع الخرافة والمجتمع المؤمن بها في ورطة أمام القاريء.
تتميز المجموعة بحضور كبير للألوان، ففي “فراشة خضراء”، التي تجادل فيها الأسطورة والإيمان القلبي دون مسائلة، يتكرر حضور اللون الأخضر بعد أن حضر سابقًا في “قميص أخضر”، وأيضا في لون المقام في “الولي”. في “ضوء أحمر” ينكسر هذا اللون لحساب لون آخر، كما تبدع عبد المنعم في رسم مشهد سينمائي من أعلى تستعرض فيه عددًا من الفتيات ينثرن أحزانهن ويرقصن فوقها. يتخلل مشهد الرقص معلومات عن إصابة البطلة بالسرطان، ما يضع القاريء أمام مونتاج سينيمائي “متوازي”.
تتحدث القصص عن البعيد والمفقود والغائب والماضي الذي كان حلوا والموت الذي خطف الأحباب. في “تلك الوردة” يتغير الخطاب السردي عن القصص السابقة، تتحدث فيه الراوية مباشرة إلى الحبيب في عالمه الآخر.
في “أغا”، تتناول سمية موضوعًا هامًا، تناقش فكرة خصي الصبية وحرمانهم من ذكورتهم، تقول على لسان الأغا “لا أنا ذكر أحيا كالذكور، ولا أنا أنثى تدرك ما تريد”. تنهي القصة بمشهد “ثوري” ينقذ فيه سليمان أغا صبيًا من الخصي ويهرب به بعيدًا عن القصر.
يتجلى تغيير الخطاب في بطلة المجموعة “قصة سرير فارغ”، فهناك أنسنة للكلب الذي يتحدث عن موت صاحبه “الإنسان”. في هذه القصة الرائعة، تتضح مهارة سمية في استخدام التداعي الحر الذي يكشف عن المشاعر القابعة في النفس ويمزجها بوقائع قصصية متحركة.
أجادت سمية على مستوى المجموعة ككل، كما أنها تفوقت على نفسها بين قصة وأخرى، ونوعت الأدوات القصصية، رسمت مشاهد مختلفة، كونت صورًا متميزة، طعمت القص بمجاز بديع كما طرحت عددًا من الأفكار والموضوعات المختلفة.

*الكاتب ناقد أدبي