بهدوء شديد، صعد نجوم فرقة المسرح المصري بقيادة الصحفي والكاتب والناقد والفنان والمخرج ناصر عبد الحفيظ، على خشبة مسرح نقابة الصحفيين، ليقدموا للعائلة المصرية “المفككة” نقدا لاذعا ساخرا، لما يمكن أن نسميه “الشقاق الأسري الطوعي”، عبر العرض الأول للفرقة “متجوزين واللا..”.
وبعيدا عن التشريعات وتعقيداتها؛ تناول العرض في إطار كوميدي غنائي استعراضي قضايا التفكك الأسري التي يعانيها المجتمع المصري والعربي، باستدعاء نماذج الندية بين الرجل والمرأة، مرتكزا في بناء التجربة المسرحية الجديدة للفرقة علي الكتاب الأكثر مبيعا لجون جراي “رجال من المريخ.. نساء من الزهرة”، بعد تمصير محتوى النص، لينقل عن بيوت مجتمعنا ما تحمله عقول من أفكار وعادات أضرت بالعلاقات بين الزوجين وأتت على حق أطفالهما بالتبعية ليتحولوا إلى أجيال تختزن المعاناة وربما تتخذ مواقف صعبة تجاه أحدهما أو كليهما، بخلاف مواقفها من مشروع الزواج ذاته مستقبلا.
الراو والناصح والحكيم الفنان القدير معتز السويفي حضر على خشبة مسرح نقابة الصحفيين ليدهشنا بأداء يعيد لنا كعادته قيمة الجلوس في مقاعد المتفرجين بحضرة العظماء، ويبكينا في مشهد عتاب ابنة الشقاق الفنانة آمال محمود التي أبدعت في وصف مشاعرها تجاه مجهول تحمل اسمه، بخلاف مشاهدها الكوميدية الأخرى التي أظهرت فيها قدراتها في الوقوف على خشبة المسرح.
في استخدام الثنائيات وتوظيفها نجح ناصر عبد الحفيظ مخرجا في تقديم أبطال ينافسون دون شك كبارا كثر ممن اعتلوا خشبة المسرح، وهو في ذلك يقدم مجددا النموذج المتكامل للفنان المسرحي الذي تنال أعماله استحسان النقاد وإعجاب الجماهير على السواء، هكذا كان “الأستاذ” عبد المنعم مدبولى، والمبدع محمد صبحى، وهي المرة الأولى التي أعيش فيها أمام أداء “ناصر” الشامل حتى لحظة ختام العرض، مرورا بتمثيل يحظى في تقييمه عند نقاد وأساتذة، لست منهم بالتأكيد، بوصف “مكتمل اللياقة”، هكذا قلت عنه لزملائي الحضور بعدما انتزع ضحكاتي واستدعى دموعي معا، ثم أبهرني برقي كلماته ودقة تعبيراته في وصف أعضاء كتيبة الكوميديا الجديدة “فرقة المسرح المصري” بنهاية العرض.
حالة خاصة لفنانة شاملة منطلقة ترصدها في أداء داهية الكوميديا والاستعراض رشا مرجان، وهي بطلة حقيقية تفرض ذاتها على أي دور يمكن لمخرج مبدع اختيارها له، وبين أربعة مشاهد استطاعت أن تنقل جمهورها بشخصيتها المرنة فنيا إلى مضمون العمل وتتبع غايته.
أما جوكر العرض، الذي يضم 25 مشهدا عايشت منها 10 مشاهد في اليوم الأول، الفنان محمد نصار، فأظهر ببراعة خاصة تفاصيل الرجل المشاكس داخل البيت ونقلها بطاقة كوميديا غير محدودة عبر أدائه إلى جمهور يشتاق للبسمة.
استطاعت فكرة الثنائيات والنقائض لمخرج العرض تعزيز الهدف منه لدى الوعي الجمعي لجمهور العائلة، وكان الفنان عمرو أصلان “النقشبندي- سيرة الحب” المفاجأة الأكبر لجمهور متعطش لشخصية كوميدية مكتملة الملامح والتكوين. وبعد معايشة مشاهد “متجوزين واللا..” لن تفارقك نرجسية النسوية “عصمت الدكر” تلك الشخصية التي تطل على عقول الزوجات في بيوتهن عبر برامج التوك شو مستهدفة إخراج المرأة عن طبيعتها، وفيها تكتشف مع أداء الفنانة وفاء عبدالله فراغ عقول نسويات، وضعفهن الأقرب إلى حقيقتهن، لكنك لن تتمكن من تحصين نفسك من الانفجار ضحكا أمام هذه الفنانة الرائعة.
بحذر؛ تنتقل هبه عبد اللطيف من مقاعد الصحفيين إلى مقام الفنانين، متقنة دورها الذي نجح مخرج العرض في تصديره إليها وكأنه يراهن على منطقة ما في ملعبها الفني المتسع مستقبلا، “المرأة المسهوكة”، التي تجيد استخدام وتطويع الرجل في كافة الأعمال الموكلة إليها في الأساس، لتحظى بحياة زوجية مجانية الهدوء مدفوعة السعادة لطرف وحيد يحكم العلاقة الزوجية ويتحكم فيها، هي بالضرورة، وإن كان الزوج حاضرا بتنازلاته المتعاظمة أمامها. ولو أن تقنيات أعلى يضمها مسرح نقابة الصحفيين لتعايش الجمهور أكثر مع شخصية حاضرة بحق بين النص المسرحي والواقع الاجتماعي لعلاقات شريحة من النساء مع أزواجهن.
تجربة الفنان الشاب أحمد حداد الأولى على المسرح شدت انتباه الجميع لملامح ممثل جريء يحمل طموحا كبيرا ويتمسك بفرصة حقيقية، هكذا الحال مع ثنائيه الفنانة مشاعل، الزوجة المنتقدة لرجلها على المشاع في مشهد رائع جذب الحضور من بداية العرض إلى البقاء بين أبطاله، مرددا مع المطربة الملائكية مروة فرحات ما تلذذت به مسامعهم بين فواصل المشاهد.
فرقة المسرح المصري مشروع فني حقيقي لمبدع أخرجنا بعرضها الأول من حالة اليأس إلى حالة الانتباه عبر “متجوزين وللا..”، وأظن أن كثيرين ممن جاوروني في مقاعد المتفرجين كانوا “وللا..”، والبقية كان بينهم مقبلون على حالة “شقاق” تهدد كياناتهم، ربما ساعات تأمل أبدع في نقلهم إليها ناصر عبد الحفيظ وفرقته مثلت جرس إنذار حقيقي أطلقه عبر مسرح حقيقي يعود في خدمة مجتمع مأزوم لأسباب خاصة، بعيدا عن تشريعات اجتماعية تتصارع أطراف على تمريرها أو تعديلها.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..

























