أخبار عاجلة

زكريا صبح يكتب: القصة “الويندوز” في أدب منال رضوان و”طقس اللذة”  

ربما كان مدخلا غريبا بعض الشئ ذلك الذى سأدخل منه إلى هذه المجموعة ، وربما كان تعريفا أشد غرابة ذلك الذى  طرحته الآن ، فما المقصود إذن بالقصة الويندوز أو بقصة الشبابيك؟

أظن أن التعريف سيتضح شيئا فشيئا أثناء القراءة  ،وأظن أن المدخل سيتسع إلى حد بعيد بعد الانتهاء من القراءة.

ربما كانت القصة القصيرة جدا من أصعب أنواع  الأدب كتابة؛  ذلك أن الكاتب يكون فيها مثل لاعب البينج بونج الذى يقف شاحذا همته جامعا تركيزه مثبتا عينيه على كرة بيضاء  سريعة الحركة  حتى أنه إذا رمش  لجزء من الثانية  سيرتكب خطأ  وسيباغته  خصمه بضربة ساحقة تفقده نقطة.

وكذا كاتب الومضة أو القصة المتناهية الصغر  كأنه يلعب بالكلمات على مستطيل أبيض بالغ الصغر  يمسك بقلمه  كما يمسك اللاعب بمضربه ،  يشحذ الكاتب همه ويجمع  فكره  ويضع الكلمة بعناية شديدة قاصدا منها  قصدا معينا كما يضع اللاعب الكرة فى زاوية معينة من سطح المنضدة  قاصدا بها  حركة ما سيعقبها بضربة اخرى حاصدا نقطة مهمة ، وكذلك الكاتب يضع بقلمه الكلمة فى موضعها قاصدا معنى محددا وظلالا مقصودة  لافتا  نظر قارئه  لها ثم  يباغته بكلمة أخرى  مهد لها بالأولى  فيرد القارئ  عليه  بخلق صورة تلو صورة  ويكون دلالة  فى إثر دلالة  وكأني بالقارئ هو اللاعب  على الطرف الآخر لمنضدة البينج بونج  ،كلما القى إليه الكاتب بكلمة  سريعة  رد عليه القارئ  بتفاعل أسرع   وهنا  يبدو الأمر فى القصة الومضة بمباراة شيقة بين الكاتب وقارئه ، مبارة مثيرة لا تستغرق بضع دقائق لكنها تترك كليهما مجهدا متعبا يتصبب عرقا احدهما  وهو الكاتب يصيبه الاجهاد لفرط حرصه على اختيار الكلمة المناسبة  بل الحرف المناسب  ومن ثم الجملة المناسبة، يظل تائها فى  دهاليز قاموسه اللغوي حتى يجد ضالته فيعود وقد أعياه البحث ليضع الكلمة فى موضعها ، ،يتحرك فى  مساحة ضيقة كلاعب البينج بونج الذى يتحرك حركات سريعة  فى حيز ضيق  فتراه وقد تصبب عرقا كأنه  فى مارثون وليس فى صالة ضيقة ،  يتحرك الكاتب  فى تلك المساحة المستطيلة  البيضاء  التى لا تتعدى  بضع سنتيمترات ليضع فيها كلماته بعناية وحرص  مثلما يضع الصائغ حبات الألماس فى خاتم ذهبى،

هكذا تسير الأمور إذن بين الكاتب وقارئه فى  هذا الصنف من الأدب ، ولذا ليس غريبا أن يقول أحدهم بجهل ما أسهل هذا النص الذى لا يتعدى بضعة اسطر !
يظنه هينا وهو على من يكتبه عظيم  وعند من يجيده  أشد صعوبة ، فاذا ما حاول كاتب أن يجرب حظه، وجد نفسه وقد طاشت كلماته وتاهت منه دلالاته وفقد فى تجربته المعاني فيحاول جاهدا أن  يجمع أشلاء الدلالات فيطول منه النص  وتخرج الأمور عن سيطرته.

ربما كان هذا التمهيد لابد منه  لنعلم أننا كلما كنا أمام نصوص  قصيرة مكثفة مكتنزة ، وحدة الميزان فيها الحرف وليس الكلمة، والكلمة وليس الجملة، ينبغى لنا أن نقف وقفة تقدير وإجلال  لأننا فى حضرة  الإبداع وأمام لاعب محترف يعرف كيف يتحرك أقصد أننا أمام كاتب يعرف كيف يشيد  البناء  العظيم من بضع لبنات قليلة.

هذا ما فعلته تماما الكاتبة والناقدة منال رضوان فى قصصها الماتع فى مجموعتها  المثيرة  ( طقس اللذة )

ولك أن تسأل من العتبة الأولى،  هل للذة طقس فإذا كان لها طقس فماذا عساها تكون ؟  وكيف نتذوقها  ؟ ومتى وأين  ومع من ؟

هل رأيت أن كلمتين اثنتين صنعتا عالما خاصا بها ؟

أظنك الآن تقول بدأت اللعبة بضربة قوية فى أقصى  طرف المنضدة وأظنك كقارئ تتأهب للرد على هذه اللعبة بتقديم  تأويلك وفهمك، وعلى هذا نبدأ المباراة.

عتبات النصوص

لدينا فى هذه المجموعة عتبتان :

الأولى هى العنوان ومنه تصل رسالة أولى من الكاتبة  تقول للقارئ كن على أهبة الاستعداد وانتبه أنت فى معية نصوصى ستكون فى عالم  مغاير لما اعتدت عليه ، سأنتقل بك معك إلى حيث عالمى الذى جعلت له عنوانا ولافتة جاذبة تخطف قلبك قبل عقلك وعقلك قبل عينيك وعينيك قبل شفتيك  وهنا نسمع صوت القارئ باعتباره شريكا فى النص يردد فى هدوء مستحضرا كل طعوم اللذة متخيلا لكل لذة طقسا ومراسم وأجواء و ترتيبات ومن منا ليس له طقس خاص بكل لحظة لذة يرتب لها ويقصد إليها قصدا ؟

إذن ضربة البداية  قوية  كضربة  لاعب الطاولة الذى يمهد لخصمه بضربة فيها ذكاء ومهارة تجعل خصمه ينتبه  إلى أن مباراة ساخنة فى انتظاره.

وسرعان ما تباغتنا الكاتبة بالعتبة الثانية ، وكأننا بصدد الدخول إلى عمارة شديدة التميز فى حى شديد الرقى  فى بلد شديد الخصوصية، فبعد العتبة الأولى نجد أنفسنا أمام العتبة الثانية التى هى ليست عتبة عادية، بل درجة سلم تنقلك من نهر الطريق إلى دور علوى تنظر من خلاله نظرة مختلفة على العتبة الأولى، فى العتبة الثانية نجد الإهداء  ،  ولقد تعارفنا أن يكون الإهداء لشخص ما أثر فى الكاتب أو اسدى إليه معروفا أو ترك فيه أثرا  خاصا أو يكون الإهداء لراحل عن حياتنا أو حاضر بيننا أو يكون لولد أو زوج أو صديق أو علامة فى طريق الكاتب غيرت من مساره.

أما أن يكون الإهداء على نحو ما جاء فى صدر مجموعة عنونتها الكاتبة ب طقس اللذة  فليس غريبا أن يكون الإهداء  ( إلى االاشتهاء والعنفوان والاحتواء واالاكتفاء

ذلك الستر والجنون والمجون، والسفور.

إلى الكتابة التى هى  قدسية الشهوة وطقس من طقوس اللذة  )

ألم اقل لك كان العنوان كاشفا عن لاعب ماهر  جعل من كلمتين اثنتين عالما صغيرا يتخيل فيه القارئ عالمه الخاص ، ألم يتبادر إلى ذهنك ومخيلتك جميع ملذاتك الحسية  والطقوس المصاحبة لها ؟

أظن أن ذلك حدث،

ولأنها مثل لاعب الطاولة الماهر المحترف الذى يعرف كيف يتلاعب بخصمه إذ يضع الكرة عكس ما يتوقع تماما ، ففى اللحظة التى توهمنا فيها الملذات الحسية وطقوسها  تباغتنا الكاتبة بأنها لا تقصد إلا اللذة المعنوية المجردة التى تجدها فى الكتابة باعتبارها مختصر الملذات حيث يمارس فيها الكاتب كل صنوف الاشتهاء والعنفوان وتكون الكتابة بالنسبة له الاحتواء والاكتفاء.

مراوغة  مبدئية تؤكد احترافية الكاتبة وقدرتها على قنص النقاط من خصمها أو الطرف الاخر على طاولة القراءة.

** قصة النوافذ

للوهلة الأولى تبدو النصوص المكتنزة فى شكلها الأدبى  المسمى القصة القصيرة جدا أو قصة الومضة كما يحلو للبعض تسميتها، أو قل ربما تبدو  هذه النصوص فى  مبناها صغيرة الحجم، قليلة الكلمات، محدودة الدلالات  لذا  يهاجمها البعض بحجة أنها لا تحقق الارتواء والشبع  تماما كالذى يزدرى قطعة من الحلوى  مستهينا بقدرتها على إشباعه والتلذذ بها؛ فالجائع دائما يحلم  بطاولة عامرة بصنوف شتى  وأطباق  متباينة  ناسيا أنه فى النهاية لن  يتناول أكثر من حجم معدته، ولن ينفعه النهم إذا ما أصيب بتخمة  ، لماذا لا ينتبه الناس إلى قوله صلى الله عليه وسلم بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، ولماذا لا يقول القارئ لنفسه بحسب  النفس نصوصا  تقمن عقله وتسعدن روحه وتروين ظمأه،

فالعبرة  ليست بطول النصوص وكثرة كلماتها  ولكن العبرة بأثر  تلك النصوص فى النفوس والأرواح ،

إن النص الذى تظنه – وهو كذلك – صغير الحجم قد ينفتح على عوالم ومشاهد لم تكن تحلم بها أو تتوقعها تماما مثلما يجلس أحدنا إلى شاشة حاسوبه ويضغط ذر التشغيل فتظهر بضع أيقونات على سطحه فيظن ساخرا أنه عالم محدود بحدود تلك الأيقونات لكنه عندما يضغط واحدا منها فانها تنقله إلى عدد كبير من الأيقونات الأخرى  وإذا ما ضغط واحدة من هذه الأخرى بدت له عوالم غيرها ، حتى أنه لينسى الأيقونة الأولى التى استصغرها  والتى فتحت له كل هذه العوالم

أظنك أدركت الآن مقصدى بتعريف  القصة الومضة بأنها قصة النوافذ ، لأنك إذا تقرأ النص ستجد أن كل كلمة تكاد تمثل أيقونة  وحدها فاذا تأملتها أحالتك إلى عالم صغير  خاص بها ، فإذا  انتقلت إلى كلمة أخرى فعلت مثل صاحبتها  حتى إذا انتهيت من النص الذى كان يبدو صغير الحجم قليل الكلمات وجدته أصبح عالما كبيرا فى رأسك ومخيلتك ووجدته وقد استحال دلالات متعددة فى عقلك و شعرت بها  آثارا باقية فى روحك  ، وهذا لعمرك لا يستطيع فعله فى النصوص المكتنزة إلا الكتاب ذوى الثقافة الكبيرة  وذوى الرؤية الواضحة وذوى الفلسفة العميقة وذوى القدرة على تجريد المعانى واختصارها إلى الحد الذى لا يكون بعده اختصارا ،  لتستحيل  القصة إلى  قطعة (الشيكولاتة) التى حدثتك عنها آنفا تشعر معها بالشبع  رغم صغر حجمها وتلتذ بها رغم سرعة التهامها ، وتأنس بها لأن مذاقها لا يغادرك  لمدة طويلة

وقد تحقق ذلك فى هذه المجموعة  فى الكثرة الغالبة من نصوصها فسرعان ما تنفتح لك العوالم واسعة رحبة بمجرد  أن تشرع فى القراءة ،

فمثلا نص بعنوان  الدرويش  النافذة الأولى فيه  العنوان ، فإنك إذ تقرأ الدرويش سيحيلك فورا إلى صورة  من صور متعددة  لهذا الدرويش و سيثير فى روحك  أجواء الذكر مثلا أو  الزهد مثلا أو  الانجذاب وحتى سترسم صورا في مخيلتك  لملابس الدرويش كما تعرفه وكما شاهدته ،فهل ستراه ممزق الملابس أم مهندم الملبس  ، هل  يلبس عمامة  وما لونها  وهل يعلق المسابح الملونة  أم  هو خلو منها ،،؟ هل يعيش هائما على وجه فى الطرقات  وينام  إلى جدران المساجد والأضرحة ،  عالم كبير ارتسم فى مخيلتك ، ثم لنبدأ فى النص إذ تقول الكاتبة ، ( لم تجد محاولاتهم الدءوب  فى رفع الحزن  عن كاهلى  ،) صورة أولية تظهر لك وعندما تقرأها تبدو لك أيقونة صغيرة لكنك إذ تتأملها سترى مشهدا  مثيرا  ، فنحن أمام رجل حزين حزنا كبيرا  حتى لكأنه يحمل الحزن على كاهله وفى المقابل سترى البعض وهو يحاول أن يخفف عنه  ، وتأتى كلمة دءوب لتؤكد جدية محاولة رفع الحزن عنه  إذ تراهم وقد حاولوا محاولات كثيرة  لا تنقطع ، كانوا يفعلون ذلك فى دأب ظاهر  وهنا قد ترتسم صورة وسؤال فى رأس القارئ  ، أما السؤال لماذ هو حزين ولماذا هم فى حرص على  المحاولات المتتالية لرفع الحزن عنه ، أما الصورة فقد تراهم وقد تحلقوا حوله للتسرية عنه كل حسب طاقته وجهده وطريقته.

ألم اقل لك سابقا أن كاتب النص القصير كلاعب الطاولة  الماهر  وأن القارئ مثل لاعب آخر يقف على الطرف الآخر  للطاولة ،  الكاتب يرسل  كلماته فى ضربات متتالية والقارئ يرسل تصوراته فى  ردات متتالية ، مباراة شيقة  ،أليس كذلك ؟

ثم انظر وهى تقول ( باحة الحسين فى ليلة رمضانية  )  أيقونة أخرى اضغط عليها كى تستعيد المشهد الحسينى فى ليلة رمضانية  سيستعيد كل منا الصورة المنطبعة فى مخيلته  عن  هذه اللقطة  لكن الكاتبة  سرعان ما  تأخذ بيد قارئها كى تنير له الصورة الباهته فى ذاكرته فتقول ( هاهو البازلت مشطوف الحواف لا يزال يحفظ وقع أقدام الغرباء ، ) أظنك الآن  تغمض عينيك على مشهد محدد حيث الساحة المحيطة بالمشهد الحسينى وقد امتلات بالغرباء الذين يأتون من كلة حدب وصوب  تاركين آثار أقدامهم على بازلت  الساحة المحيطة.

هكذا وعلى هذا المنوال تكون قصة النوافذ المتعددة  التى ينفتح فيها النص.
قد يظن البعض خطأ أن القصة القصيرة جدا هى مختصر قصير جدا لقصة طويلة نوعا أو طويلة جدا  ،  وبالتالى  يكون الكاتب وفق هذه الرؤية فى حالة  تخبط بين الحركة والزمن،  ويكون فى حيرة من أمره كيف يختصر قصته الطويلة إلى بضعة أسطر، وكيف سيكثف الزمن الممتد فى القصة الطويلة ليصبح لحظة أو تزيد عن اللحظة شيئا قليلا ،

لكن هذه الرؤية وذلك المنظور هو أبعد ما يكون عن جوهر القصة القصيرة جدا أو الومضة؛  إذ اأن الرأى الآخر  يرى أن القصة الومضة ليست اختصار  لقصة طويلة  ولكنها لحظة  مكثفة  يلتقط فيها الكاتب حدثا  محددا  ويضغط زر  كاميراته  المختبئة برأسه ويثبت المشهد  ويثبت اللحظة ويسعى جاهدا  لنقل تلك اللحظة كتابة الى القارئ  وفيها يقوم الكاتب بإعادة الحياة وبث الحركة  فى هذا المشهد  وهنا نرى الشخوص أو الشخص يتحرك فى حيز كادر الكاميرا  وفى زمن اللقطة المحدد ، وهنا يأتى دور الكاتب المحترف في إجادة  شحن المشهد بما  جعل الكاتب يتحمس لنقله إلينا من مشاعر وأحاسيس وانفعالات حتى لكأن المشهد  يتضخم ويكبر ليصبح عالما فى عيون القراء،  وتنتقل المشاعر والأحاسيس لتستقر فى نفس القارئ  تاركة  دلالات مختلفة  باختلاف  القارئ ثقافة  وعلما ووعيا وفهما وتجاوبا ،  وهنا يتحول هذا النص  من كونه لقطة  متفجرة بالمعانى  والدلالات إلى  صورة ذهنية فى رأس القارئ لا تفارقه وإلا بالله قل كيف سننسى مشهد العصا المعقوفة رأسها التى كان يمسكها ذلك المتجبر الطاغية وقد سقطت بموته فى مشهد  تماهينا فيه مع رغبتنا فى الانتقام منه والسخرية من  جبروته ، أو كيف سننسى الذين كان يخافونه فيعيدون العصا سيرتها  الأولى حال حياته ثم إهمالها تذوق مرارة الذل فى حال غيابه!

أو خبرنى بربك كيف سننسى  تلك المرأة الجالسة الى مدفأتها تبعث برسائلها للرب أن يشفيها من عجز قدميها  ولكنه لا يستجيب لها أو كيف ننسى  مشهدا للبنت هنا التى جاءت فى لحظة بر نادرة  تنقذ والدها العاق لها ولأمها ، وهى تقف أمام حجرته بعد أن أصابه المرض نتيجة تعدد خياناته واتباع نفسه ملذاتها.

وعلى هذا المنوال سنجد نصوص المجموعة مثالا يحتذى  لنموذج القصة الومضة كيف تكون ،  لتؤكد لنا الكاتبة على شفافية الكاميرا المختبئة برأسها وتؤكد لنا على احترافيتها فى اختيار زوايا اللقطات وقدرتها على إعادة الروح  فيها لتصبح عالما حيا متحركا فى مكان وزمان يناسبان  القصة الومضة وأنها لم تسقط فى فخ الاختصار والأخبار عن قصة طويلة حدثت فى زمن ممتدد وأماكن عدة بشخوص كثر.

*الكاتب ناقد أدبي – عضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر – عضو مجلس إدارة نادي القصة