حوار: أميرة دكروري
استطاع الكاتب المصرى إبراهيم فرغلى أن يرسم لنفسه مسارًا أدبيًا مميزًا، لا يسعى لإبهار القارئ بقدر إمتاعه بحكايات وروايات كُتبت بخيال بديع وبواقعية صادقة، ويمكن اعتبار هذا مسببًا رئيسيًا لتميز مشروعه الأدبى الذى يميل للمزج بين العديد من المتناقضات. ويجمع الكاتب أيضًا ما بين الكتابة للبالغين ولليافعة فيتنقل بين الفئتين فى خفة وسلاسة؛ ما أكسبه تنوعًا كبيرًا فى استخدام أدواته السردية وتطويعها لخدمة النص.
تعددت المسارات الإبداعية التى سلكها فرغلى منذ استهل رحلته مع الكتابة فى مطلع التسعينيات ففى عام 1997 نشر أولى مجموعاته القصصية « باتجاه المآقي» ثم توالت إبداعاته ما بين القصة والرواية وأدب الناشئة والرحلات، ومن بين أعماله التى لاقت احتفاء نقديًا ملحوظًا روايته «قارئة القطار»، التى توجت منذ أيام بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية التى يمنحها المجلس الأعلى للثقافة.
على خلفية الفوز بهذه الجائزة ناقشنا مع صاحب «أبناء الجبلاوي» عددا من القضايا المتعلقة بالإبداع.
>كيف استقبلت نبأ فوزك بجائزة نجيب محفوظ للرواية؟
-الحقيقة أن الخبر أصابنى بالغبطة والفرح والامتنان لاسم نجيب محفوظ. سعدت جدا بالجائزة، خصوصًا أن «قارئة القطار» رواية خاصة فى بنائها وفكرتها بالنسبة لي، وأن تجد من يقدرها أمر يسبب لى سعادة بالغة.
>هل تأثرت بعالم نجيب محفوظ؟
-نجيب محفوظ بالنسبة لى كاتب نموذجي، وكتابته مراوغة جدا، فهى تبدو فى قراءاتها الأولى ولمن يقرأها من على السطح روايات بسيطة تتناول حكايات لشخصيات من المجتمع، لكن مع كل قراءة جديدة يتبين القارئ كم درجة من البناء يكونها محفوظ للتعبير عن فكرته، وكيف تطرح نصوصه الكثير من الأسئلة العميقة. فهى فى الحقيقة نصوص مبنية على وعى كبير جدا بفن الرواية من جهة وبكيفية بناء هذه (السقالات) المصنوعة من الشخصيات لتحمل فكرا فلسفيا ووجوديا بأعلى قدر ممكن من الفنية والرمزية. لكن أسلوبى أنا لا علاقة له بنجيب محفوظ لأننى أؤمن بأن الأسلوب شرف الكاتب كما يقول صديقى الكاتب مصطفى ذكري. لذا، فأنا تأثرت بعالم نجيب محفوظ كقارئ محب وكحفيد لرائد الرواية العربية المعاصرة، لكنى تعلمت منه كى أقدم نصى الخاص الذى قد يثور على أسلوبه نفسه.
>يبدو من كتاباتك أنك تميل للغرائبية والفانتازيا على حساب الواقعية بشكل كبير، لماذا؟
-بشكل عام أحب الفانتازيا كقارئ، لأن فيها حمولات رمزية عالية من جهة، وبها مساحة حرة وكبيرة للخيال من جهة أخرى، وأعتقد أن خيال الكاتب بالنسبة لى مسألة مهمة جدا، لأن الفن ليس تقليدًا للواقع، بل بناء عالم فنى مواز للمواقع، يبدو أنه يشبهه لكنه ليس كذلك بالضبط. العالم الواقعى نفسه بقدر ما يبدو لنا مفهوما وواضحا هو فى حقيقته شديد التعقيد والتركيب والغموض، وبالتالى الفانتازيا والخيال فى تقديرى يمنحا الأدب الفرصة لتقديم محاولات أدبية وفنية لفهم الواقع أو حتى التعبير عنه بشكل فني. واختيار مزج الفانتازيا بالواقع، كان محاولة لإيجاد شخصية خاصة لكتابتي، وبالطبع هذا الأسلوب أو طريقة البناء موجودة فى أعمال أدبية كثيرة مثل تجارب الكاتب الإيطالى إيتالو كالفينو، أو البرتغالى ساراماجو، وبعض أعمال ماركيز وحتى لدى كتاب من طراز الروسى ميخائيل بولجاكوف، وأعتبر أساسها كلها مستوحاة من ألف ليلة وليلة.
>«قارئة القطار» حققت نجاحًا كبيرًا منذ صدورها كيف جاءت لك فكرة الرواية؟
-الحقيقة أن صورة امرأة تقرأ فى قطار كانت صورة عابرة لفتت اهتمامي، وأحسست أنها صورة ملهمة بشكل ما، وكنت اتأملها حتى تصورت أنها يمكن أن تكون شخصية غامضة ومتناقضة وبنيت فكرة السيدة العمياء العارية التى تقرأ فى قطار ولكنها تمتلك البصيرة. وخلال الفترة التى أعقبت ثورة 30 يونيو كانت بدأت تظهر لى تناقضات وتغييرات فى الأفكار التى تسببت فى ثورة 25 يناير، فبينما بدأت بحثا عن الحرية والعدالة الاجتماعية أصبحت بقدرة قادر ثورة بحث عن هوية، وهى خطابات استخدمت لتمكين الإسلام السياسى من السلطة. لكن أيضا كانت هناك تشوشات وأمواج فكرية كثيرة، بدا لى عند تأملها أن أى مجتمع يمر بمثل هذا التشوش يبدو كمن يفقد ذاكرته فجأة ويحتاج أن يعود إلى تاريخه الشخصى ويعيد تأمل هذا التاريخ والبحث عن ذاته بشكل حقيقي. ومن هنا بدأت أفكر فى فكرة الرواية بالشكل الذى خرجت به.
>مزجت فى «قارئة القطار» بين التاريخ والفانتازيا، كيف استطعت الجمع بينهما؟
-جمع التاريخ بالفانتازيا فى جانب منه تناول لفكرة كيفية قراءة التاريخ: وما الحقيقى وما المزيف فى التاريخ؟ فعلى سبيل المثال حدث مثل ثورة 25 يناير، رغم شهادة الملايين عليها، عندما يتم توثيقها والكتابة عنها، تُكتب أحداث مختلفة عن بعضها فتناولها من قبل الشعب الذى شارك بها اختلف عن سردية جماعة الإخوان الإرهابية للأحداث والروايتين تختلف عن سردية القوى المحافظة التى كانت تؤيد مبارك حينها. مزج التاريخ بالفانتازيا كان ينطلق من هذه المفارقة، ولهذا حاولت إعادة تأمل الشخصية المصرية فى بداية القرن الماضي، وتأمل شخصية أحمد عرابى بوصفه صاحب أول ثورة ضد سلطة ورثة محمد علي. محاولة لإعادة تأمل التاريخ وإعادة قراءته.
>بخلاف «قارئة القطار» تناولت فى عدد من أعمالك موضوعات الهوية والوطن والزمن، هل تتصل رواياتك ببعضها بشكل ما تعبيرًا عن انشغالك بفكرة جوهرية ما؟
-مؤكد الهوية والوطن والزمن هى أشياء تشغلنى جدا، واعتبار كل المواطنين متساويين فى كل شيء بمعنى أن الهوية المصرية منسوجة من الأقباط والمسلمين وكلاهما يرث هويته الفرعونية كمكون آخر، وهو ما تناولته فى أكثر من عمل من قبل.
>هل إقامتك خارج مصر، محرك لأسئلة الهوية والكتابات عن الوطن؟
-بالطبع، فأنا قضيت طفولتى المبكرة خارج مصر، ومرحلة من الصبا، وسافرت للعمل بالخارج فى شبابي، ثم مرة أخرى إلى الكويت، وفى هذا السفر الطويل كان لدى باستمرار قدرة على تأمل مصر من الخارج، ومحاولة رؤيتها فى محيطها، وطبيعة دورها المركزي. لكنى أيضا فى أى تجربة سفر أو حياة خارج مصر لا أعيش فى بلاد أعتبر نفسى فيها غريبا، بل أندمج فيها، وأحاول فهمها، ومن المؤكد أن ذلك ينتج عنه أسئلة واهتمام مضاعف بفكرة ومفهوم الهوية لدى ولدى الآخر.
>كتبت للناشئة العديد من الروايات هل من السهل التنقل بسلاسة بين أدب البالغين والناشئة ؟
-صحيح، الكتابة للناشئة تحتاج لأدوات مختلفة فى البناء السردى وفى اللغة، ولكن أعتقد أن المستوى الأدبى والقيمة الأدبية هى مما لا يختلف عليه. فالتبسيط لا يعنى السطحية، وبالعكس أحترم القارئ الصغير كما أحترم الكبير، وأحاول تطويع أدواتى فى الحالتين.
>ما أكثر ما تحرص عليه عندما تكتب للناشئة؟
-الكتابة لليافعة أو الناشئين أمر بالغ الصعوبة بسبب عدم القدرة على توقع ما يرغبون فيه وكذلك بسبب التغيرات السريعة جدا فى الثقافة الخاصة بالأجيال الجديدة فى العالم كله وفى العالم العربى خصوصا، لهذا أتمسك ببعض ما أرى أنه يحتمل تحدى الزمن، وهو التشويق والمعلومة، والأسلوب الأدبي. أتمنى وأعمل على تقديم كتاب ممتع لليافعين يحثهم على التفكير وطرح أسئلة، ولكنى لا أكتب كتبًا وعظية أو إرشادية، فهذا آخر ما يبحث عنه هذا الجيل فى الكتب.
>ماذا ننتظر من إبراهيم فرغلى فى عمله القادم رواية أم كتاب للناشئة؟
-لدى نص أعمل عليه حتى من قبل أن ابدأ فى «قارئة القطار»، توقفت عنه لأنه كان يحتاج لقراءات كثيرة ويحتاج لبناء معقد بعض الشيء، أوشكت على الانتهاء منه وهو يتناول شخصية تاريخية مهمة فى تقديرى هى شخصية ابن رشد، لدى أيضا مشروعات كتابة للناشئة سأستكملها بمجرد نشر النص الجديد.
>عودة للجوائز.. فى رأيك هل تؤثر الجوائز على عطاء المبدع؟
-الكاتب الحقيقى ليس فى حاجة للجوائز ليكتب، ولكنها ضرورية لمنحه بعض التقدير. ولا أعتقد أنها تؤثرعلى أى كاتب صاحب مشروع.
>المبدعون المصريون حاضرون فى مختلف الجوائز العربية كيف ترى تأثير ذلك على الثقافة والإبداع المصري؟
-فى الفترة الأخيرة هناك ظهور لافت للمبدعين المصريين، وأظن أن ذلك بديهى فى مجتمع مثل المجتمع المصرى كان ولا يزال معملا لإنتاج المبدعين، لكن اللافت حقيقة ظهور أسماء عربية جديدة وموهوبة من مختلف الدول العربية، يقدمون تجارب سردية مدهشة على الرغم من قصر زمن تجربتهم السردية، وهذا مبشر جدا ويصب فى صالح الثقافة العربية وتاريخ السرد العربى المعاصر.
** نشر في العدد 1182 من جريدة «القاهرة» بتاريخ 14 مارس 2023

شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











