حوار: ابتسام أبو الدهب
«أعترف أننى ومنذ وصلت إلى هنا.. إلى إسرائيل، وروحى تكاد تفر مني، مثل طير حبيس، فمنذ وصولنا إلى هنا والإهانات تلاحقنا وما من أحد يعرف لماذا، لقد أخذنا مثل قطيع للبقر، أو مثل بغال يائسة أو مثل كلاب شاردة، أخذنا إلى براكيات من التوتياء، طويلة مثل قاطرات لا نهاية لها، لا شيء فيها سوى أسرة حديد وبطانيات، أمامها صهاريج وبراميل مياه وعلى مبعدة حفر عميقة، من أجل طرح الفضلات وحولنا تدور رياح، بروائح تشبه الجثث المتعفنة».
هكذا يحكى «ناغونى الصغير» قصته عبر الرواية التى تحمل العنوان نفسه والتى فاز عنها الكاتب الفلسطينى دكتور حسن حميد بجائزة نجيب محفوظ للرواية التى يمنحها المجلس الأعلى للثقافة.
الرواية الصادرة عن وزارة الثقافة الفلسطينية عام 2021، ترصد سيرة متخيلة لأحد الأثيوبيين الذى تم التغرير به لنقله إلى«أرض السمن والعسل» كما يزعم الاحتلال ؛ «ناغونى» إثيوبى من قبيلة الفلاشا تم جلبه إلى إسرائيل لتهويده، كاشفا عن واقع الحياة فى إسرائيل والوجه الحقيقى للاحتلال، ومدى العنصرية والعنف الذى تعرض له خلال فترة إقامته هناك. فيحكى فى موضع آخر من مذكراته «كان لوننا الأسود آية الحضور وكان النهر والسباب والزجر والضرب، آيات يومية تطال الجميع، كان الجنود الشقر يتقصدون إيذاء الجميع دون استثناء».
عبر هذا الحوار مع الكاتب الفلسطينى د. حسن حميد نتعرف على ملامح عالمه الإبداعى وأجواء كتابة هذه الرواية.
> فى البداية كيف تعرف نفسك للقراء؟
-أنا ابن فدائي، قاده قلبه إلى القواعد الفدائية فعاش فيها أحلامه التى أخذته إلى البلاد الفلسطينية العزيزة مرات ومرات فى عمليات فدائية، وعاد إلينا فى الخشب المصقول شهيدًا.
منذ ميلادى أعيش فى المخيم الفلسطينى الذى جمعنا على الحكاية الفلسطينية، حب الأرض والأجداد الذين عمّروها، وحب تاريخها.
أنا من الجيل الفلسطينى الرابع فى مجال الكتابة، وقد أوقفتُ حياتى من أجل أن أكتب سيرة الظلم الذى وقع على بلادنا من جهة، وسيرة الأحلام الفلسطينية التى حملتها الأرواح العاشقة جيلا بعد جيل. كتبت وطبعت ونشرت حوالى 16 مجموعة قصصية، و12 رواية، و15 كتابا فى الدراسات والأدب العالمي.
أعمل فى الصحافة الأدبية، وتسلمت مهمات رئيس تحرير لصحف ومجلات عدة، وأيضا أعمل أستاذا فى الجامعة، حيث أدرس الأدب العالمي، والأدب المقارن.
> ما الذى دفعك لكتابة الرواية؟ وما قصتها؟
– مرتكزات المشروع الإسرائيلى الجاثم فوق أراضى فلسطين كثيرة، ومنها الهجرة إلى بلادنا العزيزة منذ أن أقيمت إسرائيل، وبطرق مختلفة، ومنها شراء أطفال ملاجئ الأيتام فى كثير من البلدان كالبرازيل، ومنها أيضا تهجير «الفلاشا» من إثيوبيا بالإغراء والوعود الخلابة، ولأن هذا مرتكز من مرتكزات المشروع الإسرائيلي، كتبت فيه.
الرواية تقوم على سيرة ناغوغى الصغير الذى جاء إلى بلادنا الفلسطينية طفلا، وما حدث له من تحييد، وإبعاد وأذى، وكراهية، وعنصرية بسبب لونه الأسمر. إنه يتحدث، عبر سيرته والرسائل التى أرسلها لأمّه ولمعارفه عن تفاصيل داخلية وأسرار مخبوءة لا نعرف عنها شيئًا داخل المجتمع. إنه وباختصار يفضح داخلية المجتمع الإسرائيلي.
> كيف استقبلت نبأ فوزك بجائزة نجيب محفوظ للرواية؟
-شعرت بشعور الطفل الذى يحلم بهدية، فتأتيه على نحو مفاجئ. فرحت طبعا لأن الجائزة مقرونة باسم كبير السر العربى وسيده نجيب محفوظ، ولأنها من البلاد المصرية الجليلة.
أعتبر نجيب محفوظ، دنيا من الإبداع العالي، ومدرسة فى أخلاقيات التعامل مع النص الأدبي، وهو منجم لأسرار الكتابة الإبداعية، أعنى التقنيات تحديدا. إنه رائد السرد العربى الصافى البعيد عن الاقتباس والمشابهة.
لهذا كانت قراءة المدونة المحفوظية ضرورة جوهرية فى مشواري.
لقد درت مع كثيرين من كتّاب السرد العربى حول هالات النور المحفوظية مثلما يدور الدراويش حول المعنى.
> ماذا يمثل لك الفوز بجائزة مصرية ؟
-هذه قلادة أعتز بها لأنها مصرية. فمصر تعنى مرآة جمال الشرق وإبداعه، ومصر دارة المجد العزيز، ومصر أم القيم النبيلة السّامية، وهى «الترمومتر» لكل إبداع.
> كيف تقدمت للمشاركة فى الجائزة؟
– تقدمت للجائزة فى ظروف صعبة كنت أمر بها. بصعوبة أمّنت تكاليف إرسالها إلى القاهرة، وقد لاقى وصولها صعوبات، ذللها صديقى الروائى ناجى الناجى الذى كرّمنى كثيرا بمحبته الغامرة. المشاركة فى مسابقة أدبية مغامرة، وتحتاج إلى قوة قلب، لأن الخيبة موجعة وجارحة.
> لماذا فضلت تقديم الرواية فى شكل رسائل ومذكرات؟
-فضلت تقنية اليوميات والمذكرات والرسائل لأنها مناسبة لقول ما خفى من الأحداث والأمور والأسرار، أى مناسب لقول المضمرات التى تعايشها الشخوص وبهذه التقنية غدت الرواية كلها أسرار ومضمرات.
> هل الرواية مقتبسة عن أحداث حقيقية ممزوجة بخيالك ككاتب أم أنها مذكرات حقيقية فى سياق روائي؟
-أنا لا أعرف مكانا أو شخصية من أمكنة الرواية وشخصياتها، لكنى اشتغلت على الأمكنة والشخوص والأحداث والأزمنة والحوار والتوصيف والتصوير بكلّ طاقتى كى يقتنع القارئ بأن كل حرف فيها واقعي، وأن لا فضل لى أبدا فى سردها. واشتغلت على تقنيات وأساليب معروفة فى السرد الروائي، كى يقول القارئ: «بلى هذا هو الواقع». كتبت ووصّفت الطبيعة والغابات كما لو أننى عشت كلّ حياتى فى غابات إفريقيا، وكتبت عن البطل وما يشعر به كما لو أنه أنا، واقتربت من أمّه حتى صرت هي.
ما كان بين يديّ وثيقة، ولا سردية، ولا أخبار روتها الصحف.كانت بين يديّ الحال، أى هجرة الفلاشا إلى بلادنا الفلسطينية، وأردت الجهر بإدانة هذا الفعل القبيح. وقد سرّنى أن أحدا باح لى بأن ما قلته هو صحيح 100%، وأن الفلاشا يبكون ويندمون فى كلّ لحظة لأنهم جاءوا إلى بلادنا الفلسطينية، بعدما عرفوا الواقع. إنهم يغنون ويفرحون ويهزجون باللهجات التى عرفوها فى إثيوبيا، واللغة العبرية التى تعلموها هى لغة حوار فقط، سرعان ما يرمونها خلفهم حين يدخلون إلى بيوتهم.
> هل ترى أن الكشف عن الوجه القبيح لإسرائيل مخاطرة بالنسبة لك؟
-كما تقول بطلة الرواية «أنها تقامر بحياتها وحياة أسرتها بسبب ترجمة المذكرات».
طبعا مخاطرة لأن كلّ شيء فى إسرائيل خاضع لقانون العنصرية، وقانون القوة، والحياة فيها للأقوى ولكل ما هو عنجهى وفظ. فهناك لا أحد يريد مواجهة ما يقترفونه من شناءات وقباحات وأقلها سجن الناس، ووقف حياتهم وتعطيلها، وعندهم الفلسطينى الطيب هو الميت قتلا بالعوزي.
نورا الفلسطينية التى كتبت سيرة الفلاشى صادقة حين تقول: إنها تقامر بحياتها إن اكتشف الإسرائيلى ما قامت به، وتقامر بحياة أسرتها، لأنه حين يعتقل فلسطينيا تُعاقب أسرته أيضا فتُعتقل، ويُهدم البيت، ويُجبر رب الأسرة دفع تكاليف الهدم (ثمن الديناميت) وتكاليف نقل الركام أيضا.
> هل الانتماء لوطن يقاوم الاحتلال مثل «فلسطين» يلزم الكاتب أدبيا بقضايا وأفكار محددة فى كل إبداعاته؟
بيد الفلسطيني، وطيّ روحه حلم له جماله ونيافته وكبريائه، هو استعادة وطن، بدءا من البيت، والحاكورة، والبئر، والدالية، وقبر الجد أو الأب أو الأخ.
الكاتب الفلسطينى إن كتب عن حلمه الوطنى معذور، وإن تعانق أو اتحد به فهذا أمر طبيعي، ولا فكاك منه. من له أمّ لا يبدلها، ومن له حلم معذور إن ساهره.
> كيف تقيم مستقبل الرواية الفلسطينية؟ حدثنا عن الدور الذى تلعبه فى كشف زيف الروايات والادعاءات التى يسوقها الاحتلال الإسرائيلي؟
-لو وصلت الروايات الفلسطينية إلى الآخر لفضحت ما يقوم به الإسرائيلى من مجازر وقتل العمد للأطفال والشبان والشيوخ، ولو وصلت مترجمة إلى اللغات العالمية لبدا الإسرائيلى أكثر نازية من هتلر. فالرواية الفلسطينية هى التى تكشف زيف الرواية الإسرائيلية ودمويتها، ويجعل كل ما يقوله المحتل هراء وأكاذيب وتدليس.
> كيف تقيم دور الجوائز فى دعم مسيرة المبدعين العرب؟
-الجوائز مهمة جدا، وعلى أكثر من صعيد، ومنها الجانب المعنوى والمادى فى آن، وهى تخرج الكاتب من عزلته التى يعيشها مع ورقه وأحباره وأفكاره. إنها تشبة عناق الأم وما فيه من رضا عميم.
فى الجوائز مسرة، أنا أحبها، وهى معرفة واكتشاف أسماء ربما لايعرف عنها القارئ شيئا، فتأتى الجائزة لتعرف بها.
** نشر في العدد 1182 من جريدة القاهرة بتاريخ 14 مارس 2023

شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











