فارق كبير بين دراما تستغرق فكرتها لدى كاتبها سنوات وشهور من البحث والمعاناة تواكبها جهود منتجين وممثلين في الإعداد للتصوير ومعايشة واقع الشخصيات والأحداث وجغرافيا المكان قبل تجسيدها، ودراما تنتج من باب الرفاهية والبحث عن هاشتاج موسمي و تريند لحظي تشعر مع متابعة حلقاتها أنها كتبت في غرفة مكتب محام ضعيف مهنيا أو ناشطة تهوى افتعال أزمة أو صراع والتعيش عليه.
هذا الفارق تتأكد منه خلال الموسم الرمضاني للدراما متى اضطررت مع طبيعة توجهات الشاشات على التسلية أمامها فتجد حشو الأذهان بصور مجتمعية أحادية الزاوية ورؤية لا نقاش حقيقيا حول قضية مطروحة بشأنها، أو عمل محترم متكامل فنيا وموضوعيا.
في الدراما الواقعية ذات الطابع السياسي أو التأريخي مثلا، تجد الكاتب متجها نحو أدوات بحث تشبه ما يستخدمها أرباب علم التاريخ، وكذا علم السياسة في الأحداث المعاصرة، ليقدم في النهاية عملا يرجوه متكاملا قدر الإمكان، و في دراما الهاشتاج و التريند تكفي كتابة الفكرة لتحقيق مكتسبات زائفة الاستعانة بأشخاص يقدمون نصف الحل ويقولون نصف الحقيقة، فتظل الأزمة قائمة متفاقمة في وعي وواقع من يتلقاها ويدعمها مؤقتا من باب التعاطف مع حالة نقلتها زوايا كاميرات المخرجين.
على مدى سنوات طويلة ارتبطت العقول والذاكرة البصرية لمتابعى الدراما التليفزيونية بأعمال جادة وكتاب لهم ثقلهم وممثلين مثقفين واعين ومخرجين يملكون أسبابا إضافية لإبداعهم تستند إلى تكامل الرؤى ونزاهة الفكرة، هكذا حضرت دراما الانتصارات مع شخصيات رأفت الهجان وجمعة الشوان وأبطال الاختيار و كلبش، كما ظهرت سمات مجتمع يبحث عن مخرج من أزمة أو يعاني تداعيات تحولات سياسية واقتصادية في “ليالى الحلمية، العائلة، الشهد والدموع، المال والبنون..” وغيرها، دون ضجة خارج السياق، حتى إذا ما كانت هناك مناظرات أو مناقشات حول مضمونها، أبدع كتابها في الرد على نقاد والسعي لإثراء أفكار متجددة في خدمة مجتمعهم.
في رمضان الماضي؛ وجدتني مشدودا لدراما عربية عراقية جادة صاغها وجسدها أبطال مصريون، هي حلقات مسلسل “ليلة السقوط” التي كتبها المصري المبدع الأستاذ مجدي صابر وتصدر بطولتها الفنان طارق لطفي، والفنان أحمد صيام، مع الفنانين السوريين باسم ياخور و كنده حنا، والأردنية صبا مبارك، ونجوم الدراما العراقية جواد الشكرجي وخليل إبراهيم وذو الفقار خضر وريهام البياتي وبيداء المعتصم، والفنان الراحل بعد عرض المسلسل محمد قنوع.
الدراما التي وثقت لجرائم داعش في العراق بين 2014 و 2017 و رد الفعل المجتمعي والعسكري، ومعارك تحرير الموصل وسنجار، نفذ إنتاجها المصري الدكتور محمد عشوب وأخرجها ناجى طعمي برعاية وإنتاج كبير للرائع قيس الرضواني، وفيها جرس إنذار لشعوب وحكومات المنطقة والعالم من خطورة ما فعله داعش في الموصل كمثال، فصور سمات وتركيبة التنظيم وشبهة تمويلاته واستباحته الأعراض وتقديمه صورة مشوهة للإسلام في الأذهان كافة بسفك الدماء وإخضاع غير المسلمين وغير المسلمين وإذلالهم وتحقير الآثار رغم استحلال الإتجار بها، مع مواقف قادته من الخمور والمخدرات، بخلاف صناعة جيل جديد من التكفيريين قوامه أطفال العراق.
مشاهد المواجهة والتضحيات والمعاناة عظيمة تعكس مستوى الإنتاج وتدعم فكرة وحدة الصف العراقي كغاية وطنية وسبيل وحيد لتجاوز أزمة البلد وحفظ أمنه واستقراره و دحر أعدائه.
مشهد في المسلسل الذي حظي بإعجاب ومتابعة الملايين، دون هاشتاجات مفتعلة أو محاولات منتجين ركوب التريندات الموسمية وتحقيق انتصارات لحظية، يدفعك لتأمل تناقضات المجتمعات العربية ومستوى نظرات كتاب الدراما لأزماتها، حينما يحضر الطفل الإيزيدي “روفان/ أبو الدرداء” بعد شهور من إجباره على الانضمام إلى معسكرات داعش في الرقة، إلى الموصل مجددا، وهو ابن قائد عسكري بقوات البيشمركة الكردية في العراق فقد ابنته المنتحرة تحت ضغط نفسي واغتصاب، والأخرى “جوانا/ صبا مبارك” أسيرة أمير الحرب طارق لطفي، ليقوم “أبو الدرداء” بتكفير شقيقته الباحثة عن استعادته من عصابات التنظيم، عقب توجيه طاقة الكراهية داخله ضدها وأهله ومجتمعه كله، وهو مشهد يشبه تماما نتائج فعل الكراهية في نفوس أبناء شقاق صورتهم مقاطع فيديو متعددة يلفظون آبائهم في ظل قانون يدعم حضور مصطلحات “الرؤية/الحضانة/ التخيير”.
في دراما رمضان المصرية؛ انشغل منتجون خلال السنوات الأخيرة بتصدير قضايا غير مكتملة الحجية ولا تدعم سوى تجديد الحديث عن أزمات مجتمعية بإنكار حقوق أساسية لأطراف بعينها، لصالح ما يسمونه في هاشتاجات ترويجها بالمكتسبات، فحضر كتاب أصحاب رؤية أحادية لوكانهم في خدمة منفعة لقاء اكتساب المال من “أي عمل والسلام”، تراجعه ناشطة أو شيخ هنا ومحام هناك، كل منهم معروفة توجهاته وأهدافه، قبل أن يقدموا سردا دراميا غير مقبول عقلا، ولا منطقية له، يعزز واقعا كارثيا به معاناة يهملون أصحابها وينحازون لأطراف أخرى ضدهم، تمهيدا لاستقبال الوعي الجمعي للمشاهدين ما هو آت من تشريعات جاهزة من المتوقع أنها ستغير المجتمع تماما لصالح شريحة أو فئة بعينها.
أغلب هذه الأعمال ركزت بشكل كبير على أطراف العلاقات الأسرية والعائلية ودفعت بوضوح لخلق جدل متطور بذاته في الواقع وعلى منصات التواصل الاجتماعي إلى صراع تنقله برامج التوك شو تباعا، لكن أعين البعض تريد رؤية مضارين منه وتلتفت عن آخرين، فحضرت تلك الأعمال الدرامية ضعيفة منحازة مشوهة لا نبل يكتمل في نوايا أصحابها.
هذا عمل يمهد لقبول فكرة تجاوز شروط شرعية خاصة بعقود الزواج جار عليها المشرع بالأساس قبل 23 سنة، كعصمة الزوج التي منحته الزوجة ذاتها إياها، وذاك عمل يقدم حلا عبقريا لمطلقة في الزواج من غير والد ابنتها مع الاحتفاظ بها في بيت “زوج الأم”، أو يعزز الحضانة الأبدية لأطفال الشقاق لدى النساء الأولى بالرعاية في نظر صاحب مذهب ربما لم يسمه الزوجان بعقد النكاح.
عمل آخر يجول بخيالك نحو معاناة أرملة في الولاية على مال صغارها مقدما إياها على أولياء الدم، الجد أو العم كمثال، ملتفتا كاتبه وصناعه عن حقيقة أن المشرع يقدمهما في قائمة الملتزمين بأداء نفقات الصغير يتيم الأب، بينما يحصر حق رؤيته ذلك المستضعف لأهل عائلة أبيه الراخل في ثلاث ساعات أسبوعيا للجد العجوز، ولا يمنحها بالمرة للعم المنفق عليه من ماله الخاص، ورغم اعتباره من أولياء الدم إلا أنه غير ذي صفة متى طلب حق رؤية أو رعاية ابن أخيه الميت.
هكذا تمتد أهداف الأعمال الدرامية ضعيفة الحجية غير متكاملة الموضوعية، فتضرب مثلا أركان حق تعدد الزواجات في حالات تبدو مقبولة لأصحابها ومجتمعاتهم المحدودة وواقعهم الخاص، أو تمهد لقبول فكرة الإجهاض واستسهالها، حتى يستمتع المشاهد مؤقتا بحرب الهاشتاجات والتريند التي مهدت الدراما إياها لما هو آت أو محتمل في نصوص تشريعية.
الهروب إلى دراما تعيش في ذاكرتنا وتدعم أفكارها وموضوعاتها قدرتنا على مواجهة قضايانا الحقيقية كالأمن والعيش الكريم والوحدة والتماسك والتكاتف، هو حق للمتعقلين والمتفكرين، يخالف تماما منطق وإرادة أرباب دراما تتعيش أفكارها لحظيا على أزماتنا، وتركز على الأسرية منها وكأنها تنتج متعة خاصة في تشويه مشروع الزواج فلا تشجع على بناء الأسرة وإيجاد حلول للحفاظ عليه وصون صلات أرحام العائلات، وتدعم الانتهازية لتجعلها عنوانا جديدا للعلاقات الاجتماعية، أو هي دراما تختلق الشقاق والصراع وتتعيش عليهما، فلا تعيش كحالة فنية بقدر ما تستمر أضرارها المحتملة والمتوقعة على سلوكيات بعضنا.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











