هذا الكتاب “المبتسرون.. دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية” الصادر عن مكتبة الأسرة في 2015 ، هو رؤية شخصية ويندرج تحت أدب الإعتراف كما قال عنه بعض النقاد.
“المبتسرون” هم من ولدوا قبل أن يكتمل نموهم الطبيعي. من هم المبتسرون من وجهه نظر الكاتبة المثقفة أروى صالح؟ وما الظروف التى حالت بينهم وبين نموهم الطبيعي؟ وهل وجدت كاتبتنا من حل للمبتسرين؟.
تقع أهمية الكتاب فى أنه ليس رواية شخصية بل حالة جيل كامل من شبابنا تبنى حلما لم يكتمل.
أروى صالح( ١٩٥١-١٩٩٧) هى مناضلة وكاتبة من جيل السبعينيات جيل الحركة الطلابية. تفجر وعيها بالحياة والحلم بعد نكسة ١٩٦٧، و كان حلمها وجيلها بأحداث بصمة فى حاضرهم ومستقبلهم. هى من جيل الطليعة المثقف المفعم بالحياة والحلم والطموح.
اتخذت أروى من الاشتراكية مهدا لحلم حياتها ولأنها المثقفة القارئة النهمة فقد تبنت أفكار ماركس آمنت بها وأصبحت هذه الأفكار هى ” الكيتش” بالنسبة لها والكيتش كلمة ألمانية تحمل معان كثيرة غير أن أروى حددتها بتلك الأسطورة التى يؤمن بها الفرد فتحوله الى عدو الأفكار المغايرة لأسطورته.
انطلقت أروى مع حركة الطلاب بعد ٦٧ عهد عبد الناصر وقت علو موجة الاشتراكية، واندمجت فيها وأصبحت عضوا فى حزب العمال الاشتراكي كان حلم تغيير العالم هو هاجسها. هؤلاء الطلاب أو الطليعة كانوا يطالبون عبد الناصر بوقف حالة اللاسلم واللا حرب تلك التى أعقبت الهزيمة.
عاشت أروى بكل كيانها فى الحلم ثم جاء عهد السادات لتتحول الاشتراكية إلى الانفتاح والرأسمالية فأحست أروى وجيلها معها أن أقدامهم معلقة فى الهواء ؛ لم يعد هناك حلم .. لم تعد هناك قضية كبرى ينتمون إليها.. أصبح هؤلاء الطلاب كأنهم فى التيه يتخبطون فاقدى توازنهم.
هنا أدركت أروى صالح أنه لم يكن هناك حلم بالأساس بل وهم كبير وأن الحركة الطلابية التى تنتمى إليها ولدت مبتسرة لم يكتمل نموها. فقد فشلت الماركسية فى بلدها روسيا وانعزل الماركسيون فى بلد أروى عن الشعب أو “الناس العادية” كما أحبت أن تصفهم من وجهه نظر مناضلى الأمس وبرجوازى اليوم.
فى كتابها الذى بين أيدينا تكشف أروى مرارة الحقيقة وصعوبة التخلص من الوهم. فقد تحول الماركسيون الى برجوازيين يبحثون عن سماء تظلهم وأرض تقلهم بعيدا عن وهم الماركسية.
وجاء كتابها ،كشهد شاهد من أهلها، يكشف عورات الماركسية والماركسيين المصريين تحديدا رفقاء الحلم والوهم. قسمت أروى صالح الناجين من الهزيمة إلى برجوازى صغير وآخر كبير لكن تجمعهم صفات مشتركة وهى الادعاء والنفاق. كل يلهث وراء مصلحته الخاصة ويتاجر بماضيه الاشتراكى، وينعزل عن الشعب؛ فهو فوق الناس العادية هو مثقف يشجب ويهاجم لكن لامانع من كسب قوته وعمل ثروة من هذا النفاق والادعاء.
فى هذا الكتاب حللت اروى شخصية المثقف الماركسي بتشاؤمه وتعاليه على المرأة ونظرته الدونية لها فالمرأة عنده اما زوجة مغفلة او ساقطةوتبنى البرجوازى قيم المجتمع المحافظ لكنه لم ينس أن يتاجر بتاريخه الماركسي.
وتحت عنوان المثقف عاشقا تفضح أروى ذلك البرجوازى العاشق الذى يغوى المرأة بالحب الحر بلا تبعات أو مسؤوليات.. حب اشتراكى! ليجني من ورائه متعته الشخصية.. أصبح المثقفون كائنات نفعية ترفع شعارات وتخفى مصالحها.
الكتاب به من المرارة مايشي بحالة أروى النفسية وهى الاكتئاب الحاد وفقد الحلم الذى شكل كيانها. لم تستطع أروى أن تنجو من تحول الحلم إلى وهم ولم تتكيف مع التغيرات الحادثة بل اتهمت كل من حاول التكيف بالنفاق والادعاء.
كتابها يفسر حالتها النفسية قبل انتحارها بأكثر من عشر سنوات. فقد قالت عن رفقاء الدرب والنضال: “البرجوازى الصغير الخالد ..كتلة من المتناقضات” فهى ترى نفسها تحمل الصدق البيوريتانى هذا الصدق كما تقول: ” فيه حاجة ملعونة، وليس بالجمال اللى بيبدو عليه لأول وهلة، هو اللى كان بيصدر أحكام لاتقبل النقض بالاعدام على طوابير من البشر اللى مريت بيهم فى حياتي”.
أروى كانت تعى مدى التناقض الذى تحمله بين طيات نفسها فهى تقول” أنا لم أعرف الناس وإنما عرفت فقط خوفى منهم”. وتقول أيضا: عندى الرغبة العارمة فى التواصل الإنسانى”.. فهى بين الخوف من الناس والرغبة فى التواصل والاندماج معهم.
انتحرت أروى صالح يوم ٧ يونيو ١٩٩٧ فى الذكرى الثلاثين للنكسة. فهل أدركت أنه لم يعد هناك أمل؟ وأن الحركة الطلابية التى كانت تحلم بتغيير العالم ولدت مبتسرة لم يكتمل نموها وشتتها وغيرها الواقع أو بعثر أحلامها لتدرك أنها ضاعت فى سنوات التيه؟ فلم يعد هناك قضية كبرى ولم يعد هناك حلم ولم يعد هناك أمل؛ فكان انتحارها كما قال البعض سلاحها الأخير لتصرخ بفقد الأمل.
فقد نعت التشرذم والتفتت الذى أصاب الحركة الطلابية فقالت أروى” تفتت المثقفون المصريون إلى ذوات منفردة بتحاول تنجو من الطوفان المرتبط بفقدان الشعب بأسره للهدف والحلم الجماعى”.
مأساه أروى أنها مثالية و توقفت عند الحلم ولم تستطع مواجهة كشف الوهم فتوقفت عن نشاطها السياسي وتوقفت عن الكتابة.
فى وثيقة لها تقول إنها لم تقرأ من سنة والقراءة وبالتالى الكتابة كانت ملاذها الأخير.
لو كانت أروى صالح تجاوزت أزماتها مع الحلم والحقيقة لكسبنا مفكرة وباحثة جادة، لكن تلك النفس الهشة التى أوقعتها فى براثن الاكتئاب والوحدة وعقدة الاضطهاد هى من قادتها لتلك النهاية. ولو كانت تعرف الناس لأدركت أننا كلنا مبتسرون نرحل ببقايا أمل وبقايا حلم وامنيات لم تحقق.
*أديبة وناقدة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











