الخميس , 15 يناير , 2026
أخبار عاجلة

إبراهيم شعبان يكتب: كواليس “المسحور” ورؤيتي للأدب

إبراهيم شعبان يكتب: كواليس “المسحور” ورؤيتي للأدب
الصدى الواسع الذي قوبل به عملي الأدبي الأول “المسحور”، سواء على المستوى الشعبي أو النقدي، أثبت لي – بما لا يدع مجالًا للشك – أن الناس ما زالت شغوفة بقراءة “الأدب الحلو”؛ ذلك الأدب الذي يتكلم بلسانهم، ويعبر عن همومهم وأحلامهم، ويقترب من واقعهم الإنساني. فمتى شعر القارئ أن الرواية تحكي عنه، وتلامس وجعه وأمله، يندفع سريعًا لقراءتها، ويتعلق بسطورها، ويتماهى مع شخصياتها.
كانت تجربتي مع “المسحور”، تجربة شديدة الخصوصية، ليس فقط لأنها عمل أدبي مرهق وممتع استغرق قرابة العامين من الكتابة، بل لأنني تعلقت– كإنسان قبل أن أكون كاتبًا– بكل شخصياتها، حتى بدت لي كأنها شخصيات حقيقية تعيش بيننا، لا مجرد شخوص خرجت من رحم الخيال.
سعيد الحداد، العاشق الذي دفع حياته ثمنًا لغرامه بعدما وقع ضحية انتقام ساحر شرير، لم يكن وحده من أبكى القرّاء وتعلقوا بمصيره، بل كانت سلوى أيضًا – زوجة حفني الدجال – واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا؛ تلك المرأة التي دافعت باستماتة عن الأمل والحب، ولو كان حبًا محرّمًا مع سعيد، فقط كي تنجو بنفسها من جحيم زوجٍ ساحرٍ رفض تطليقها، وعاشت معه ألوان العذاب بسبب حياته الغريبة المليئة بالجن والعفاريت والكائنات القادمة من العالم الآخر. وحين انهزم الجميع أمامه، ولم يعد في مقدور أحد من أبناء القرية البسيطة مواجهته أو التصدي لشروره، وحيث واصل حفني أذاه للناس، متكسبًا من خراب بيوتهم، ومن التنقيب غير المشروع عن الآثار، وهدم حياة الأبرياء رأسًا على عقب.
كما كانت سماح، إحدى بطلات “المسحور”، ومن أكثر الشخصيات التي جذبت تعاطف القرّاء؛ تلك الفتاة التي حُرمت من حبيبها ومن الزواج بشاب في مثل سنها تقدم لخطبتها، بسبب شائعة فاجرة سرت في البلدة زعمت وجود علاقة محرّمة بينهما قبل الزواج. فرفض والدها تزويجها منه، لا دفاعًا عن الحقيقة، بل خوفًا من كلام الناس، وحتى لا يُقال إنه “يُدارِي الفضيحة”، فألقى بها في يد رجل يكبرها بخمسة عشر عامًا، شهواني دنيء، لا يرى فيها سوى الجسد، ولا يشعر بمعاناتها أو أحاسيسها، ولم يكلف نفسه حتى أن يقترب منها ليمنحها فرصة أن تحبه أو تتعلق به.
أما صابرة، الجميلة ابنة الساحر العجوز أبو داوود، فقد ذاقت طعم الحياة لبضعة شهور فقط مع شاب خدعه والدها، بعدما أوهمه بأنه من الأعيان، ليكتشف لاحقًا زيف الادعاء، فيطلقها ويهاجر خارج مصر. وتبقى صابرة بعد ذلك امرأة معلّقة، لا يجرؤ أحد على التقدم لخطبتها أو الزواج منها، خوفًا من وضع يده في يد ساحر مجرم قضى عشرات السنين في أذية الناس وبهدلتهم في الصعيد. لتجد نفسها في النهاية مضطرة للتعلق بأمل الزواج من حفني، تلميذ أبيها في السحر والشر!
هكذا كتبتُ شخصيات “المسحور”، لتكشف عادات قرية مصرية ممتدة على ضفاف النيل، في عمل يحمل معاني الحب والعشق والحرمان والتحدي، وتبرز من خلاله المرأة بوصفها بطلًا حقيقيًا يدافع عن أحلامه مهما كان الثمن.
لقد أثبتت لي “المسحور” أن الأدب الصادق، والحكاية الحقيقية – حتى وإن غلفتها الأسطورة أحيانًا – قادرة على اختراق قلوب الجميع، ودفعهم للتعلق بها.
لم يعد الزمن الحالي بحاجة إلى شطحات فارغة أو خيالات بلا معنى، أو أدب يفتقد المضمون، خصوصًا في ظل حياة تزدحم بالهموم والتحديات. الأدب الذي يبحث عنه الناس اليوم – في رأيي – هو أدب الواقع، أو الأدب الحي، تلك الأعمال التي تستفز العقل، وتحرك الوجدان، وتنال رضا الكثيرين، وتدفعهم إلى التفكير والحلم والأمل، وتكون صالحة لكل الأعمار والأجيال.
ومن أجمل ما قيل عن “المسحور”، أن أي شخص قادر على قراءتها وفهمها، كما قال أحد النقاد الكبار: “الفلاح في القرية يستطيع قراءة المسحور وفهمها رغم أنها تقارب 300 كلمة، وذلك لسلاسة السرد وبساطة اللغة”،. فيما علق ناقد كبير آخر إن شخصياتها واضحة تمامًا، وإن القارئ لا يشعر بالملل أو الكلل، وإنه مهما ترك الرواية لانشغال أو ظرف ما، فإنه يعود إليها وكل شخصياتها وأفعالهم وحركاتهم حاضرة في ذهنه.
لا أحب أن تكون “المسحور”، مجرد رواية أدبية جميلة لفتت الأنظار، بل آمل أن تتحول إلى أسلوب حكي قريب من الناس وبلغتهم، في زمن الفيسبوك والتيك توك ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اللغة المختصرة الواضحة، التي “ما قلّ ودل”، دون تعقيد أو استعارات متكلفة أو بلاغات فات أوانها ولم تعد تجدي صدى حقيقيًا لدى القارئ المعاصر.
هي دعوة للعودة إلى الأدب العظيم المقروء، وإلى أعمال يتعلّق بها الجميع، وبخاصة جيل الشباب.