منال رضوان تكتب: الألم المؤجَّل هجرتك لأم كلثوم.. بنية الفشل في النسيان في الغناء العربي
أغنية هجرتك لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم شدت بها للمرة الأولى في فبراير من العام ١٩٥٩، من كلمات أحمد رامي، لحن رياض السنباطي، يلاحظ في هذا النص تحركه داخل دائرة واحدة لا يحاول كسرها، ليستمد قوته من هذا الإصرار،
إن فكرة الهجر هنا، تُطرح كفعل مؤقت، يتكرر من دون أن يحقق نتيجته المرجوة،
لعلنا نلمح منذ السطر الأول، هذا التوتر بين النية والنتيجة، الرغبة في النسيان هنا تقابلها استعادة للألم لا تتوقف، حتى يتحول الهجر إلى ممارسة داخلية قاسية، وهيمنة قسرية تمارسها الذات الساردة على نفسها أكثر مما تمارسها على الآخر، فمن اللافت أن الفعل في النص فعل قسري دائم يظهر في تراكيب (غصبت روحي)، (حرمت روحي)، (قلت أراضيه)، (حاولت أهرب)، (وفضلت وأنا تايه محتار)،
الذات هنا لا تُقاد بالعاطفة وحدها، بقدر ما تُدار عبر أوامر ومحاولات ضبط لإعادتها داجنة إلى حظيرة العلاقة المنتهية، كأن هذا الحب من قبيل الخلل الواجب تهذيبه،
هذا الاشتغال القسري يفسر لماذا يصبح النسيان في هذا النص همًّا مستقلاً، منفصلاً عن الحبيب، ومساويًا في الثقل لمكانته في آن واحد، التفكير في النسيان يأخذ مساحة التفكير في الحب نفسه لدى السارد، فيتجاور الهدف ونقيضه داخل الجملة الواحدة، فظهرت مفردة بأفكر أكثر من مرة،
فالتكرار هنا كعنصر بنيوي لا زخرفي، يؤكد دائرية النص، حتى عودة العبارات نفسها تؤكد أن الزمن في النص لا يتقدم، ويدور في حلقة مفرغة، كل مقطع يعيد إنتاج الحالة ذاتها بصيغة مختلفة قليلًا، مما يعكس تعطل الحركة النفسية حد الجمود،
فيعيق عمل الذاكرة كاستدعاء للماضي، ويجمدها كحضور دائم لا يحتاج إلى إشارة، لا يُستدعى الحبيب بواسطتها، بقدر ما هو قائم في الخلفية، في اللاوعي، الذي يحاول عبثًا الكف عنه،
لذا فهذا الانقسام بين العقل والقلب يُبنى كحالة حيرة ممتدة على طول النص، العقل يحاول التنظيم، والقلب يحتفظ بأثر اللذة القديمة، وبينهما ذات تائهة لا تمتلك حسمًا،
هذا الانقسام يمنح النص توتره الهادئ، ويبعده عن الانفعال المصاحب لضجيج اللوم، يستثمره رامي لصالح شعور مستمر بالإرهاق بدا في اللحن الهادئ المعتمد لتكرار النغمة التي اعتمدها الموسيقار رياض السنباطي، مما زاد من ذلك الشعور الدائري،
الصورة الشعرية هنا تعتمد على معجم بسيط ومتكرر، الكأس، الدم، السهد، الحرمان، هذه المفردات لا تبحث عن الإدهاش، وهذا في صالح البناء الكلي للنص، إذ أنه من غير المنطقي أن الحبيب الذي يصارع مشاعره يجلس ليفكر في حقله المعجمي ليستحضر المفردات الزخرفية ذات الوقع البلاغي الاستعراضي، لكن الأقرب أن تظل مفرداته تؤدي وظيفة التثبيت، كأن التجربة لا تسمح بتعدد الصور، وتصر على صورة واحدة تتغير كثافتها فقط،
الجفا لا يُقدَّم باعتباره قطيعة، ويصير امتدادًا للألم، والبعد لا يلغي العلاقة، إنما يعيد صياغتها في شكل استنزاف يومي،
لتظل هجرتك إحدى أيقونات الغناء العربي التي تستثمر بنية الألم لصياغة فشل النسيان لا فشل الحب، وتبقي الهجر في مساحة آمنة لمحاولة تنظيم الخسارة، تتعثر في كل مرة، وتترك الذات معلقة بين فعل الرحيل واستحالة الانفصال، داخل مسار مغلق يجد منطقه في تكراره نفسه، من دون جدوى،
(غصبت روحي على الهجران وأنت هواك يجري في دمي
وفضلت أفكر في النسيان لما بقى النسيان همي)،
يمكننا أن نطلق عليه بيت القصيد، إذ يظل كاشفًا البنية التي اشتغل النص عليها منذ الوهلة الأولى، لنعاين القسر في مقابل التحرر، الإرادة في مواجهة الضعف، ومحاولة النسيان وقد صارت عبئًا قائمًا بذاته،
عند هذه النقطة يتضح فعل الهجر كانقسام داخلي بين القلب المحمّل بالأثر، والعقل الذي يحاول إدارة الخسارة وتجاوزها، فيواجه عقله غير الواعي مستترًا خلف ظل الحب الذي كان.
بقى القول بأن هجرتك من أكثر الأغنيات التي شدت بها كوكب الشرق على المسرح كانت أولى هذه المرات على مسرح الأزبكية، لتغنيها تسع عشرة مرة عقب ذلك.
* ناقد أدبي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع