الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

حكيم جماعين يكتب: زكريا القاضي.. تجربة تحتفي بالإنسان في تعدده والذاكرة في حركتها

في تجربته التشكيلية المدهشة الحاضرة أمس في معرضه بقاعات جاليري ضي الزمالك بالقاهرة، يقدم لنا الدكتور زكريا القاضي نصوصاً بصرية مستوحاة من المصري القديم ومن نبض الحياة الشعبية، حيث لا يعود اللون مجرّد وسيلة للرسم، بل يتحوّل إلى أداة سردية، وإلى حاملٍ للذاكرة الجمعية.

القاضي هنا لا يرسم مشاهد بقدر ما يستحضر طبقات زمنية متراكبة، تتجاور فيها ابداعات المصري القديم مع وجوه الناس البسطاء، وتتماس فيها الأسطورة مع اليومي، والطقسي مع العابر.

منذ النظرة الأولى، نلمس حضور “الموتيف” بوصفه وحدة دلالية تتكرّر وتتحوّل. عناصر المصري القديم — كالملامح الجانبية، والعين اللوزية، ووضعيات الجسد الصارمة — لا تُستعاد على نحو أثري ثابت، بل تُفكَّك وتُعاد صياغتها داخل نسيج بصري نابض بالحياة الشعبية نساء الأسواق، باعة متجولون، موسيقيون، أطفال الحارات. هكذا تتجاور الرموز التاج الفرعوني يقابل الطرحة الريفية، والجداريات القديمة تتقاطع مع جدران البيوت في الأحياء الشعبية.

السرد في هذه الأعمال ليس خطيّاً، بل هو سرد بصري قائم على التراكب. اللوحة تعمل كمساحة ذاكرة، تتكدّس فيها الحكايات والإشارات، حيث كل شخـص يحمل أثراً من زمن سابق، وكل حركة تستدعي طقساً منسيّاً. الشخوص لا تُقدَّم كأفراد معزولين، بل كأنماط إنسانية، كأقنعة تحمل ملامح الجماعة. إنهم أشبه بـ”أيقونات يومية، تجمع بين قداسة الماضي والحاضر المعاش.

ويوظف القاضي اللون ببراعة، فهو المحرّك العاطفي لهذا السرد. لتتوزّع مساحاته اللونية بين ترابية كثيفة تحيل إلى طمي النيل وجدران المعابد، وألوان صاخبة مستمدة من الأسواق والملابس الشعبية. هذا التوتر بين العتيق والحيوي يخلق إيقاعاً بصريًا خاصاً اللوحة لا تهدأ، بل تتذبذب بين الحنين والاحتفال. اللون هنا ليس وصفاً للواقع، بل إعادة خلق له في مستوى وجداني عاطفي، حيث تتحوّل الذاكرة إلى طاقة لونية.

لتبدو لنا رحلة الفنان في الذاكرة ليست رجوعاً إلى الوراء بقدر ما هي إعادة ترتيب للماضي داخل الحاضر. المصري القديم لا يُستدعى كمرجع تاريخي فقط، بل كخزان رمزي يُغذّي الحاضر الشعبي ويمنحه عمقاً حضارياً، وبالمقابل تمنح الحياة الشعبية هذا الماضي دفئاً إنسانياً وتهبط به من مقام المتحف إلى فضاء العيش اليومي.

هكذا تتشكّل التجربة(رحلة في الذاكرة) عند القاضي كنوع من “السرد التشكيلي”، حيث تتحوّل اللوحة إلى نص بصري مفتوح، يقرأه المتلقي عبر اللون، والإشارة، وحركة الشخوص. إنها رحلة في الذاكرة، لكن بعيون معاصرة، ترى في التراث مادة حيّة قابلة للتأويل، لا أطلالًا صامتة. وفي هذا المزج الخلّاق بين الموتيف المصري القديم والنبض الشعبي، ينجح الفنان في صياغة خطاب بصري يحتفي بالهوية بوصفها كيانا متحوّلا، لا ثابتا، ومفتوحا دائما على إعادة الاكتشاف.

القاضي يقدم لنا تجربة تستحق الوقوف أمامها طويلاً، لا بوصفها مجرد ممارسة تشكيلية ناجحة، بل كمسار بصري متفرّد يملك شجاعته الخاصة في مصالحة الأزمنة داخل فضاء واحد. تجربة تعرف كيف تُنصت إلى الذاكرة دون أن تقع في أسرها، وكيف تستدعي التراث دون أن تحوّله إلى قيد أو زخرفة.


في هذا العمل، لا يكون الفنان ناقلًا لما كان، بل صانعًا لما يمكن أن يكون. إنه يفتح للهوية بابا جديدا على الاحتمال، ويمنح اللون دورا في إعادة كتابة السرد الإنساني بلغة حسية عميقة. تفرد هذه التجربة يكمن في قدرتها على الجمع بين الحكائي والتشكيلي، بين الأثري واليومي المعاش، بين الرمز والوجه الإنساني البسيط، دون أن تفقد وحدتها أو صدقها.


إنها تجربة تحتفي بالإنسان في تعدده، وبالذاكرة في حركتها، وبالفن في طاقته على التحوّل. تجربة لا تُشاهد فقط، بل تُعاش، وتترك أثرها في العين والوجدان معا، مؤكدة أن الفن حين يكون صادقا مع جذوره ومنفتحا على زمنه، يصير فعلًا من أفعال الاكتشاف الدائم.

*الكاتب ناقد وفنان تشكيلي