منذ البارحة، وأنا أتنقّل بين هذا الخبر وذاك، وبين قناة وأخرى، بلا حول ولا قوة، ولا أخفي أنني لم أنم. كانت القنوات الناطقة بالكوردية تحظى بالحصة الأكبر من متابعتي، لا لشيء إلا لأنني وجدت في كثير من القنوات العربية انحيازًا كبيرًا جدًا في الحملة على الكورد، حملة أشد مما اعتدناه.
والأغرب من ذلك أنني وجدت لدى بعض مثقفي العرب ما جعلني أراجع حساباتنا: أين نحن؟ وماذا نقصد؟ وما قيمة تلك المطالبات التي تصدر من أقلامنا الكوردية التي تكتب باللغة العربية؟ ومع ذلك، ما زلنا نفتخر بأننا ننظر إلى الإنسان من زاوية إنسانيته أولًا، ثم لنا ما لنا، وللآخرين ما لهم علينا.
منذ البارحة تحديدًا، يسكنني قلق وتوتر غير معتادين، رغم أننا – نحن الكورد – عُرفنا دائمًا بالنظر إلى الأمور بعين التفاؤل. في الحقيقة، لا خوف اليوم على الكورد في ظل التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظل هذا الحماس الشعبي الكوردي، وهذه الوحدة على الهوية، والدعم الذي يتجلى في لسان واحد وموقف واحد.
من هنا اندمج الشعور القومي بين الشعب والقيادات الكوردية، وتكاثرت البيانات والاتصالات والعلاقات، التي أثمرت اليوم عن وقف إطلاق النار، والعودة إلى العمل باتفاقية العاشر من آذار بعد أربعة أيام.
إن أصوات البارحة واليوم، وهذا الدعم الذي جاء من كل أنحاء العالم ومن جميع مناطق كوردستان، دليل قاطع على حقيقة حماس الشعب الكوردي، وعلى مطالبته بالدعم الدولي. الجميع كان على الخط، محل تقدير واحترام، منذ البارحة وما قبلها: من اجتماع أربيل، إلى ما سبقه وتلاه من تحركات.
ورغم حجم الدعم الذي كان موجّهًا للحكومة السورية الجديدة، كان واضحًا أن كثيرًا من المعادلات بدأت تنقلب، خاصة بعد الاجتماع السوري–الإسرائيلي في فرنسا، الذي جرى تحت رعاية أمريكية صرفة، وبمساهمة غير مباشرة من دول لم تُذكر أسماؤها في مراسم الاتفاق.
الغريب في الأمر أن لنا مواقف كنا نعدّها من الثوابت، لكنها تغيّرت فجأة. غير أن السياسة – كما نعلم – كل شيء فيها جائز، ولا شيء فيها ثابت على الإطلاق. ومع ذلك، كنت قد قلت لبعض الأصدقاء في اتصالات هاتفية البارحة: إذا استطاعت القوات الكوردية صدّ الهجوم من هنا وهناك، فسيحصل اتفاق، وستنقلب المعادلة.
وهذا ما بدا واضحًا هذا الصباح، ثم بعد الظهر، أصبحنا أكثر تفاؤلًا. فقد تحوّل المشهد من موقف مباغت، وضربات من كل الجبهات، إلى موقف تمركز وصمود، وعدم حصول اختراق حاسم، ثم تدخل دولي، واتصالات لا تتوقف من هنا وهناك.
ربما هناك اتصالات أخرى لا نعلم عنها شيئًا، نحن عباد الله الجالسين أمام الشاشات في المتابعة والكتابة، لكن المؤشرات كلها توحي بأن ما يجري خلف الكواليس لا يقل أهمية عما نراه على العلن. نحن نتمنى الخير، ونترقب، ونقرأ بين السطور، ونحاول أن نفهم كيف تدار هذه اللحظة المفصلية من تاريخ القضية الكوردية.
اليوم، هذه اللحمة الواضحة بين كل أطياف الشعب الكوردي وقياداته محل فخر واعتزاز. إنها تعطينا مثالًا حيًا على ما يمكن أن يصنعه شعب موحد حين تتقاطع إرادته مع موقف قيادته. كما أن هذه الوحدة بين الكتل السياسية، ومواقفها المنحازة إلى جانب الشعب الكوردي، تجعلني أعتقد أن الطريق بات ممهدًا، بل من السهل والممكن – نزولًا عند رغبة هذا الشعب الأبي – الذهاب سريعًا نحو تشكيل الكابينة العاشرة (حكومة كوردستان).
لقد أثبتت هذه الأيام القليلة أن الوحدة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل قوة حقيقية حين تتحول إلى موقف عملي، وإلى تنسيق سياسي وعسكري وإعلامي. كما أثبتت أن الصوت الكوردي، حين يتوحد، يُسمع في الإقليم والعالم، وأن المطالبة بالدعم الدولي لا تذهب سدى حين تقف خلفها جماهير واعية، متحمسة، ومصممة على الدفاع عن حقوقها.
ورغم القلق والتوتر اللذين سكناني منذ البارحة، فإنني اليوم أكثر تفاؤلًا. ليس لأن الخطر زال تمامًا، بل لأن التجربة أثبتت مرة أخرى أن الكورد، حين يُدفعون إلى الزاوية، يعرفون كيف يتماسكون، وكيف يحوّلون المحنة إلى فرصة، والتهديد إلى بداية مسار جديد. مسار عنوانه الوحدة، والوعي السياسي، والرهان على إرادة الشعب قبل أي شيء آخر.
لعل هذه اللحظة، بكل ما فيها من توتر وتحولات، ستكون نقطة انعطاف حقيقية. نقطة تذكّر الجميع، في الداخل والخارج، بأن القضية الكوردية ليست هامشًا يمكن تجاوزه، ولا ورقة يمكن حرقها في لعبة الأمم، بل قضية شعب حيّ، موحّد، وقادر على فرض حضوره ومعادلاته، مهما تبدلت الظروف وتغيرت التحالفات.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع