الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

الدكتور محمود زايد يكتب: هل ستعود الـرِّقّــة عاصمة للإرهاب والتطرف مرة أخرى؟

إن التحولات السريعة التي حدثت في سوريا خلال الأيام السابقة تنبئ أن عقارب ساعة منطقة الشرق تعود للوراء نحو عشر سنوات في ترس المرحلة الثانية من مراحل رسم خريطة جديدة للمنطقة في منظومة «عالم جديد».

منظومة يرتفع فيها صوت التطرف على السلام، ويغرق جوها بلون الدماء بدلاً من استنشاق عبير الأمان؛ فما يحدث لا يقصد به سوريا وحدها، ولا كرد روجافا وحدهم، إن الأمر أوسع من ذلك جغرافيًّا ومذهبيًّا بين أبناء الدين الواحد بخطط غربية معدة سلفًا، وبإدارة إسرائيلية محكمة، في بيئة لا عزاء فيها للضعفاء.
بعد سيطرة داعش على الرقة عام 2014م باتت عاصمة لها ونقطة انطلاق هجماتها الإرهابية الدموية إلى تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحريرها في أكتوبر 2017م بدعم جوي من قوات التحالف الدولي. وها هي الرقة تعود مرة أخرى إلى سيطرة الفصائل المتطرفة مرتدية إطارًا قانونيًّا معترف به من القوى الكبرى في العالم باسم الجيش السوري أو الحكومة السورية المؤقتة.
لقد عادت بي هذه الأحداث إلى قراءة بعض أدبيات تلك المرحلة الداعشية، متسائلاً: هل ستصبح الرقة عاصمة للإرهاب والتطرف مرة أخرى؟ أم إن الأمر هذه المرة أبعد من ذلك لتحقيق أهداف غربية إسرائيلية أوسع في المنطقة؟ وما الدور الجديد لتركيا في ظل هذه المرحلة بعدما صرح المبعوث الأمريكي لسوريا “توم بارك” أنها مع إسرائيل من أهم حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط؟
منذ ثمانية أعوام قرأت كتاب «كنتُ في الرقة» يحكي عن سلفي جهادي تونسي اسمه «محمد الفاهم»، هارب مما كان يُسمى وقتذاك بـ «الدولة الإسلامية» أو ما يُصطلح عليه “داعش”، بعد أن عاش في المناطق التي اغتصبتها نحو ما يزيد عن سنة، حيث دخلها عبر تركيا في أواخر ديسمبر 2014م، وهرب منها أيضا عبر تركيا في أواخر يناير 2016م.
كُتِب الكتاب بقلم الصحفي التونسي “هادي يحمد”، من خلال اللقاءات التي أجراها مع بطل الكتاب والهارب مما كان يعتقد أنه نشوة حلمه بالعيش تحت ظلال ما يسميه “الدولة الإسلامية”. لقاءات صاغها الكاتب بطريقة مشوقة ومثيرة بأساليب متنوعة، بحيث يأخذك دون انقطاع إلى نهايته. جاءت أساليبه بين سيرة ذاتية استخدم فيها “ضمير المتكلم” وبين سيرة غيريّة استخدم فيها “ضمير الغائب”، مع تضمين سياقات أخرى رأى الكاتب أنها مهمة لكيلا تخرج أحداث الكتاب عن هدفها التنويري الإنساني.
أهمية كبيرة تستفاد من هذا الكتاب، خاصة وأنه شهادة حيّة من أحد إرهابي داعش، لم يتحدث بها تحت ضغط أسر أو سجن أو تعذيب؛ وإنما جاءت بحرية تامة، وفي وعي وإدراك كامل.
لم يقتصر في حديثه عما عايشه “محمد الفاهم” بنفسه منذ وصوله مطار أتاتورك بإسطنبول، إذ كان من أدبيات داعش: «أن الوصول إلى اسطنبول يعني الوصول إلى الرقة»، كناية عن التسهيلات والدعم التركي المتنوع للمتطرفين «المهاجرين» إلى “الدولة الإسلامية” من مختلف دول العالم، من خلال أجهزتها الأمنية والمخابراتية، ومن خلال شبكة داعش المستقرة في الداخل التركي نفسه والمكلفة بإنهاء إجراءات القادمين إلى تركيا ووصولاً إلى الشام عبر الحدود مع سوريا.
وقف الكتاب كثيرًا: أمام الطفل “محمد الفاهم” الذي وُلد في مدينة دورتموند شمالي ألمانيا، ونشأ بها سنواته الخمس الأُوّل (1990-1995م) مع عائلته في مدينة في ظل أجواء هدم جدار برلين وتلاحم الألمانيتين الشرقية بالغربية، ثم ينتقل بعدها إلى “نابل” مدينته الأم في تونس، تلك المدينة الساحلية السياحية التي تبهرنا دائما عند زيارتها بجمال طبيعتها، وأناقة بناتها، وابتسامة مواطنيها، ولذاذة أطعمتها… وإذا بالظروف غير الطبيعية تأخذ هذا الطفل من هذه البيئة التحررية إلى ظلمات التشدد والوحشية الدموية!! إنها حالة تستحق إعادة التفكير في مناهجنا التعليمية، وخطاباتنا الدينية الخطيرة، وصولاً إلى التعامل العام مع السلوكيات المنحرفة فكرًا وممارسة.
وهنا، يلمس الكاتب مكامن الخطر في الواقع الدعوي المتطرف، والتعامل الأمني المفرط؛ حيث أُغرقت تونس منذ 2011م بوابل من مشائخ السلفية القادمين من منبع الوهابية الذين يُطلق عليهم في أدبيات داعش «الجزراويون» نسبة إلى الجزيرة العربية، وتوزعوا على مساجد تونس الكبري ينفثون سمومهم، ومن ثم كانت الطامة أن أكثر المهاجرين عددًا وشراسة في القتال مع داعش هم التوانسة.
في ظروف قاسية من تونس إلى ليبيا ثم إلى اسطنبول، وبعدها إلى سوريا عبر تل أبيض، حتى وصل الرقة- شهد محمد الفاهم عدة معارك (يسميها الدواعش غزوات) في سوريا والعراق، لكن أشرسهم على حد تعبيره في كوباني وتل أبيض؛ إذ تحدث عن مدى جسارة وثبات القوات الكردية الـ YPG و الـ YPJ في دفاعهم عن كوباني من سبتمبر 2014 وحتى يناير 2015م، حيث ذكر أن “جنود الدولة الإسلامية” تعرضوا فيها لمحرقة كبرى، قتل منهم نحو 4000 داعشي.
أشهر قليلة بعد وصول محمد الفاهم إلى الرقة كانت كفيله لأن تخرجه من نشوة حلمه: «وَهْم الدولة الإسلامية، والخلافة، وتطبيق الشريعة، وإقامة الحدود» إلى غيرها مما احتشت بها أحشاؤه مما سمعه من مشائخ التطرف السلفي الجزراوي وتوابعهم.
لقد صدمته ممارسات عناصر الدولة الإسلامية بما شاهدته فيهم من فساد، ومحسوبية، وغدر ببعض المقاتلين، ورمي بعضهم في مهالك، وحبس، وتعذيب، وفواحش…إلخ، حتى دندن وطنطن محمد مع نفسه ومع المقربين له كثيرًا بعلامات استفهام، وصلت بالنهاية إلى ضرورة الإعداد الجيد للخروج من هذا المهلك بدون علم أحد حتى لا يعاقب للمرة الثانية بتهمة: «التولي يوم الزحف».
كثيرًا ما حدّث محمد نفسه متحسرًا: «كيف تحوّلتْ كرات الثلج التي كنتُ ألعبُ بها مع صديقاتي في شوارع دورتموند إلى عبوة ناسفة وزنها خمسة كيلوجرامات رميتها على مستودع للجيش السوري في تدمر»؟! حيث شارك في الجريمة الكبرى ضد مدينة تدمر التاريخية والأثرية، مع أنه اقتصر في روايته على أنه شارك في اقتحامها دون مواقعها الأثرية.
أيقن محمد الفاهم أن حرية النقد في وطنه تونس كانت أكثر براحة وحرية من “الدولة الإسلامية”. تمنى أن يسجن خمسة أعوام في تونس ولا يُسجن يومًا واحدًا في “الدولة الإسلامية” من شدة ووحشية التعذيب فيها. وصف “الدولة الإسلامية” بكلب ضال يفصل الأبناء عن أمهاتهم وآبائهم.
حالة من البؤس ألمت به في الرقة، ليس فقط بسبب سلوكيات وممارسات جنود الدولة، وإنما أيضا مما عايشه من شرعييها (المفتون) وأمنييّها (أمن الدولة)، إذ كان لا يؤمن بقاعدة «العذر بالجهل»، وأيقن أن داعش ليست الفرقة الناجية.
إن هذه الحالة التطرفية التي عاشها في تونس أولا جعلت أمه، تلك السيدة المحافظة، تندم على رجوعها به وكامل أسرتها من ألمانيا بسبب خوفها عليه من الاندماج مع الحياة التحررية في دورتموند: «لو كنت أعلم مصيرك في التشدد هكذا كنت تركتك في ألمانيا أفضل»!
«كنت في الرقة» كتاب بمثابة جرس إنذار للراغبين في العيش الإنساني، ويرسل رسالة مهمة لمجتمعاتنا الشرق أوسطية يدين فيها السياق الثقافي الذي ينشأ فيه أجيالنا، القائم على «نحن» و «هم»، «المسلمون» و«الملاحدة» … إلخ، حتى وصل وضعنا إلى حالته المأساوية الدموية هذي.
فهل سنستطيع أن نتفادى مخاطر تكرار تلك التجربة السوداوية؟ أم سيعيد التاريخ نفسه وفق متطلبات مرحلة من يديره، وتصبح الرقة قبلة مرة لإرهابي ومتطرفي العام مرة أخرى؟.

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر – الخبير بالشأن الكوردي