صبحي موسى يكتب عن “سيرة الغريب” : التصوف الحديث في كتاب ولاء أبو ستيت
أتساءل دائما عن كتابات التصوف الحديثة، أين ذهبت ومن أين تأتي ؟ فقد انتهى عهد المتصوفين الفلاسفة، عهد التجارب الروحية الكبيرة والخاصة، وسيطر عهد المادة الخالصة، والارتباك الدائم في السعي اليومي خلف لقمة العيش، وبات كل ما يكتبه الشعراء الآن محض رجع صدى للكتابات القديمة، كلام مكرور ومعتاد، بلاغة وتهويمات بلا روح ولا صدق ولا تجربة ولا موقف أو حيرة حقيقية، محض كلام وترديد لغة جوفاء، فهل انتهى عصر التصوف، وهل انتهت تلك الكتابات الكبيرة الخالدة التي تمس شغاف القلب من أول سطر، أم مازالت هناك بقية باقية؟.
كانت هذه الأسئلة تشغلني حتى منحتني الصديقة ولاء عبد الله كتيب صغير بعنوان (سيرة الغريب – رحلة البحث عني وعنك وعنا)، صدر عن دارها للنشر (أم الدنيا)، وفوجئت أن اسمها عليه، حتى أنه ليس اسمها الفنى ولكن اسمها الكامل (ولاء عبد الله أبو ستيت).
أعرف ولاء منذ نحو خمسة عشر عاما، صحفية دؤوبة وذكية ونشطة، وكنت أتوقع أن كتابها هذا له علاقة بالصحافة بشكل أو آخر، لكنني فوجئت أنه عمل إبداعي، حاولت قراءته على أنه قصص لكنني لم أجده قصصا، توقعت أنه رواية من نوع “رواية اللا رواية”، لكنه لم يكن من هذا القبيل، عدت إلى التصنيف الذي وضعته عليه، فوجدتها منحته مسمى نصوص.

الحقيقة أن هذا الكتاب الصغير الحجم أجاب على أسئلتي عن التصوف، وكأنه يشهر إصبعه في عيني قائلا: نعم مازالت هناك نصوصا مليئة بالوجع والحيرة والألم، نصوص هي فصوص من رحلة السالك في طريق البحث عن ذاته، قبل أن تكون بحثا عن الذات، أو بحثا عن الآخر فتجد الذات نفسها في الطريق إليه، نصوص تملاؤها حيرة السالك والباحث والمحب الذي جفاه محبوبه فأصابته لوعة الألم، نصوص المتأمل في وجعه، وصخب الحياة من حوله، وذكرياته الجميلة المؤلمة أيضا، نصوص من لا يريد شيئا، سوى أن يعلم المحبوب أنه يحبه. نصوص كتب عليها العذاب بالمحبة.
عدت إلى العنوان ‘سيرة الغريب” وجدته ينطبق على حال السالك في درب التيه، عدت إلى العنوان الفرعي :”رحلة البحث عني وعنك وعنا’ وجدته الثالوث المقدس بأقانيمه الثلاث، تلك المعذبة والمعذبة، و رحلة الصلب على مذبح الحياة. عدت إلى اسم المؤلفة “ولاء عبد الله ابو ستيت”، ودهشت أنها لم تكتب اسمها الذي نعرفها به ( ولاء عبد الله) منذ بدأت سعيها في شوارع القاهرة ومحافلها، لكنها كتبته كاملا كشخص غفل قرر أن يلقي كلمته على الطريق بشوكها وطينها، فإن صادفت أهلها فهي أهله، شخص لا ينذر نفسه لنجومية ولا شهرة ولا تشغله العلائق والروابط التي تخص الناس، ولكن يشغله أن يبلغ رسالته لمن يحبه، أو أن يظفر ظفرته وينفث عن صدره لوعة حيرته وألمه.
عدت إلى الإهداء ( إلى كل روح هائمة في رحلة ليلتها المظلمة.. أملي أن تصلي قريبا لنتحرر معا).
ولن أعلق عليه…..
عدت إلى النصوص: (وكما قال شمس التبريزي أقول: “حتى وإن رايت النور في غير سأختار عتمتك”
نقولها دوما لمن نعتقدهم نصفنا الضائع وتبقى المعادلة للحياة، فإما أن تكشف لنا أنهم هم حقا أو أنهم ليسوا سوى دروس صعبة في رحلة بحثنا عن ذواتنا).
(واعلم يا هذا أن المحبة التي يهدي بها الله القلب لا يمكن انتزاعها.. فلا المسافات ولا الغيابات ولا الهجر والنكران أو الخذلان، بل ولا حتى التعود، قادرون على تغييرها ..هى “منحة ربانية” مؤكد انها انجبتك ، لكنك لا ترى).
(ذات يوم قلنا:” ارهقتنا كل الاشياء التي تمسكنا بها فقررنا أن نطلق أيدينا ونلقي بأنفسنا في فضاءات القدر، يختار لنا ما عساه أن يكون خيرا” .. والعجيب أننا وجدنا الطريق، والأعجب أنها كانت بداية الرحلة ..” رحلة البحث عن الذات” التي بدأت حقيقة من قبل بداية الخليقة منذ أن كنا في عالم الذر).
عدت إلى ولاء التي باعدت بيننا الحياة لسنوات، وجدتها عانت تجربة شخصية قاسية. وأدركت أن وراء هذه الكتابة معاناة شديدة الألم، وأن هذا هو التصوف الحديث في معناه الحقيقي، وليس رجع الصدى للتصوف القديم.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع