الدكتورة إيمان عبدالعظيم تكتب: تقييم فاعلية الدور المصري في بعثات حفظ وبناء السلم في أفريقيا
تمثل مصر أحد الفاعلين الإقليميين الرئيسيين في مجال حفظ وبناء السلم بالقارة الأفريقية، حيث تمتد مشاركتها في بعثات الأمم المتحدة منذ عام 1960، وتُقدَّر مساهمتها بأكثر من 3000 عنصر عسكري وشرطي في مختلف البعثات. تحتل مصر المرتبة السادسة عالميًا من حيث حجم الإسهام بقوات حفظ السلام، مما يعكس ثقلها وحرصها على الاضطلاع بمسئولياتها الدولية والأفريقية. تهدف هذه الدراسة إلى تقييم فاعلية هذا الدور حتى عام 2025، باستخدام نظرية الدور كإطار تحليلي لفهم الدوافع والمحددات التي تحرك السياسة المصرية في هذا المجال، والتي تشمل اعتبارات الأمن القومي (لا سيما المائي والحدودي)، والقدرات العسكرية والمؤسسية المتاحة، والأبعاد الدبلوماسية والإقليمية لسياستها الأفريقية.
تتجسد المشاركة المصرية على الأرض من خلال انخراط ميداني متنوع النطاق والأدوات. فبالإضافة إلى الإسهام الكمي الكبير، تبرز مساهمات نوعية في دعم الاستقرار ببؤر صراع مثل دارفور وجنوب السودان ومالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية، من خلال نشر قوات متعددة المهام تؤدي أدوارًا عسكرية وشرطية ورقابية وهندسية وطبية. كما تمتلك مصر أدوات مؤسسية فاعلة، أبرزها مركز القاهرة الدولي لتسوية الصراعات وحفظ وبناء السلم، الذي يضطلع بدور محوري في بناء القدرات الأفريقية عبر برامج تدريبية وتأهيلية تعزز الجانب المؤسسي والاستدامة لعمليات السلام.
وعلى الرغم من هذه الإنجازات، تواجه فاعلية الدور المصري جملة من التحديات المعقدة. فطبيعة الصراعات الأفريقية قد تطورت لتصبح غير خطية، متعددة الأطراف، وغالباً ما تشمل جماعات مسلحة غير حكومية وجهادية عابرة للحدود، مما يجعل أدوات السلام التقليدية أقل جدوى. كما يؤثر التنافس الجيوسياسي الحاد بين القوى الدولية والدولية، وتصلب آلية صنع القرار في مجلس الأمن، سلباً على فاعلية البعثات. على المستوى الإقليمي، يُلاحظ ضعف الآليات الأمنية الأفريقية وتشتتها، مع اعتماد كبير على التمويل الخارجي، مما يقوض مبدأ “الملكية الأفريقية”. بالإضافة إلى ذلك، يظل التأثير المصري محدوداً نسبياً في مجالات بناء السلم طويل الأمد، مثل الحوكمة الرشيدة، وإعادة الإعمار المؤسسي، والتنمية المستدامة، حيث لا تزال الأولوية للبعد الأمني التقليدي.
لتعزيز الفاعلية والاستدامة، تقدم الدراسة عدة توصيات استراتيجية. أولاً، ضرورة إعادة التوازن في المشاركة لصالح بعثات الاتحاد الأفريقي، وليس فقط بعثات الأمم المتحدة، لترجمة شعار “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية” إلى واقع ملموس وتعزيز الملكية المحلية. ثانياً، تبني مقاربة تكاملية تربط بشكل عضوي بين الأبعاد الأمنية والتنموية، بحيث تصاحب البعثات العسكرية حزم متكاملة من مشاريع البنية التحتية والدعم المؤسسي المباشر. ثالثاً، تعزيز الآليات الإقليمية، مثل تفعيل القدرة الإقليمية لشمال أفريقيا (NARC)، والعمل على حل الخلافات (كالقضية الجزائرية-المغربية) التي تشل الفاعلية الجماعية. رابعاً، تطوير أدوات الوساطة المصرية لتصبح أكثر مؤسسية واستدامة، تنتقل من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها السياسية والاقتصادية.
في الختام، يمثل الدور المصري في حفظ وبناء السلم في أفريقيا نموذجاً لتفاعل قوة إقليمية متوسطة مع التحديات الأمنية القارية، يجمع بين العمق التاريخي والرؤية الاستراتيجية المعاصرة. ورغم النجاحات الكمية والنوعية، فإن الارتقاء بهذا الدور من مستوى “الحضور الفاعل” إلى مستوى “القائد المحقق للسلام المستدام” مرهون بقدرة مصر على معالجة الفجوة بين إمكاناتها الكبيرة وتأثيرها الميداني طويل الأمد، عبر تبني رؤية أكثر شمولية وتكاملاً تخدم الاستقرار الأفريقي والأمن القومي المصري في آنٍ واحد.
*الكاتبة مدرس العلوم السياسية – خبير بالشأن الأفريقي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع