الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

أحمد نصر يكتب: عن التغيير والقدر

قدر الإنسان التغيير وهو أيضاً منفذه .التغيير ليس خياراً بل هو حتمية وجودية.
تتجلى فلسفة “الإنسان كقدر للتغيير ومنفذ له” في رؤية عميقة تعتبر الكائن البشري هو المحرك الأساسي للتاريخ والواقع، حيث تلتقي في هذه النظرة مفاهيم الإرادة الحرة مع المسؤولية الوجودية. إن الإنسان ليس مجرد ريشة في مهب ريح الظروف أو مجرد مراقب سلبي لما يحدث حوله، بل هو القوة التي تعطي للزمن معناه و للمادة صورتها، فالتغيير في جوهره ليس صدفة بيولوجية أو فيزيائية، بل هو “قدر” يحمله الإنسان في صميم كينونته لأننا الكائنات الوحيدة التي تملك الوعي بما هو “كائن” والقدرة على تخيل ما “يجب أن يكون”.
​تبدأ هذه الرؤية من حقيقة أن الإنسان هو الكائن الذي يرفض الثبات؛ فبينما تتبع الطبيعة دورات رتيبة ومنظمة، يكسر الإنسان هذا الرتابة من خلال قدرته على التجاوز. هنا يبرز دور الإنسان كمنفذ، حيث لا يكتفي بالتنظير أو الحلم، بل يحول الأفكار المجردة إلى واقع ملموس عبر العمل والجهد. إن اليد التي تبني والعقل الذي يبتكر هما الأدوات التي تترجم قدر التغيير إلى مسارات حضارية، مما يجعل من الإنسان “القدر” الذي اختارته الحياة لكي تتطور وتفهم نفسها.
​علاوة على ذلك، تشير هذه النظرة إلى أن كل تحول في التاريخ، سواء كان فكرياً، تقنياً، أو اجتماعياً، قد بدأ بقرار داخلي لإنسان ما قرر ألا يقبل بالواقع كما هو. هذا التلاحم بين كوننا حاملين لرسالة التغيير و منفذين لها يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية كبري فالتغيير ليس دائماً نحو الأفضل، ولكن كونه “قدرنا” يعني أننا لا نستطيع الهروب من دورنا كصنّاع للمستقبل. إننا ننفذ التغيير بوعينا، ونحن أنفسنا التغيير الذي ننتظره، مما يجعل الوجود الإنساني رحلة مستمرة من إعادة اختراع الذات والعالم، في حلقة لا تنتهي من الإبداع والهدم والبناء، حيث يتداخل فيها المصير بالفعل والقدر بالحرية
أنت مخير في “الطريق” الذي تسلكه وميسر لـ “النتيجة” التي تناسب اختيارك. نحن لا نعلم الغيب، لذا فإن “قدرنا” الحقيقي هو أننا “مأمورون بالسعي”، والنتيجة النهائية هي رزق الله الذي يُتوج هذا التعب.

*محام وخبير حقوقي