رغم أن البعض يعتقد بأن الديمقراطية هي الذهاب إلى صندوق الانتخابات فقط وانتظار نتائج التصويت، إلا أن الحقيقة أوضح للجميع، وهي أن الالتزام بتنفيذ الوعود والشعارات التي أطلقت خلال حملات الدعاية الانتخابية هو صلب الديمقراطية والترجمة الصحيحة لها تأكيدًا لنزاهتها.
صحيح أن المواطن يذهب بإرادته الحرة المنفردة ليختار بحرية بدون تدخلات أو ضغوطات أو تهديد، من يمثله في كافة المجالس النيابية، لكن التصويت وحده لا يمثل مجمل العملية الديمقراطية، إنما هو إجراء وحيد في مراحل مطولة منها.
في العام 2002، أعلنت لجنة حقوق الإنسان بالجمعية العامة للأمم المتحدة حسب القرار رقم 2002/46 أن العناصر الأساسية للديمقراطية تتضمن: احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية الرأي والتعبير وحرية تكوين الجمعيات؛
إمكانية الحصول على السلطة وممارستها بمقتضى سيادة القانون؛ وعقد انتخابات دورية حرة وعادلة بالاقتراع العام وبالتصويت السري كوسيلة للتعبير عن إرادة الشعب؛ ووجود نظام تعددية الأحزاب والمنظمات السياسية؛ وفصل السلطات؛ واستقلال القضاء؛ والشفافية والمساءلة في الإدارة العامة؛ وحرية وسائل الإعلام واستقلالها وتعددها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل الانتخابات التي تجري في بعض الدول مطابقة لهذه المعايير؟ وكيف يفهم البعض الديمقراطية في حال عدم الالتزام بالدستور و القوانين؟ .
في العراق مثلا، هناك انتخابات منذ العهد الملكي ليومنا هذا، ولكن هل المواطن شارك في الإدلاء بصوته بحرية؟ ربما بعد العام ٢٠٠٣ نستطيع القول بأن المواطن العراقي يدلي غالبا بصوته بحرية، ولكن هل الساسة أو رجالات السلطة يلتزمون بعد انتخابهم ببنود الدستور؟ ربما من الصعب الإجابة على هذا السؤال.
منذ العام ٢٠٠٥ تم تصويت المكونات العراقية بأغلبية ساحقة على الدستور، إلا أن هناك الكثير من المواد لم تلتزم بها الحكومة الاتحادية، منها مثلا المادة ١٤٠ و المادة ١١٠ و المادة الخاصة بالمجلس الاتحادي، والكثير من هذه المواد الدستورية كانت سببا من بقاء الخلافات بين الحكومة الاتحادية و حكومة الإقليم، رغم أن كوردستان التزمت بالمواد الدستورية.
والعجيب أنه خلال هذه الفترة التي نحن فيها لتشكيل الحكومة الاتحادية، نجد الخلافات لترشيح منصب رئاسة الجمهورية وهو من حصة الكورد، باقية متجددة، وكذلك الخلافات على منصب رئيس الوزراء وهو من نصيب الإخوة الشيعة، حيث تمت تسمية شخصية إلا أن هناك بعض المعوقات لتمريرها.
والعجيب أن بعض الجهات تتهم الكورد بعرقلة الدستور لعدم تقديم مرشح لهذا المنصب، والموضوع ليس عرقلة الدستور، بل هناك حوار حول التوصل إلى حل بين الحزبين، الديمقراطي الكردستاني، و الاتحاد الوطني، لإيجاد صيغة ترضي الطرفين، فمنصب رئيس الجمهورية أصبح عرفا للشعب الكوردي وليس حكرا على أي جهة كوردية، بل من حق كل كوردي سواء من هذين الحزبين أو الأحزاب الأخرى أو الشخصيات العامة والمستقلين، لكن المهم أن يكون الأمر بالتفاهم والتوافق والحوار داخل البيت الكوردي.
رغم هذه السنين، هناك العديد من مواد الدستور لم تطبق، ولها أهمية على حل الخلافات بين بغداد و أربيل ، لكن تماطل بعض الجهات بدون حجج دستورية، وهم قبل أن يعاتبوا الشعب الكوردي عليهم أن يراجعوا مواقفهم من المواد الدستورية التي أهملت قصدا، ومن ثم فلا عتاب بسند على الشعب الكوردي.
كل الأنظار تتجه حاليا إلى تشكيل حكومة تؤمن بالشراكة و التوازن و التوافق، و السير بالعراق نحو شاطئ الأمان ، وحل الخلافات مع أربيل حسب الدستور و القوانين و الاتفاقيات، بعيدا عن التدخلات الخارجية و فرض أجندات لا تريد للعراق الاستقرار و السلام، و يجب أن يكون القرار عراقي خالص بلا تبعية للغير.
نكررها، فالديمقراطية ليست المشاركة بالانتخابات وحدها، بل ممارسة حقيقية تكتمل بمصداقية الفعل السياسي والالتزام الدستوري والقانوني، هذا هو الفرق بين فهمنا و فهمهم للديمقراطية، فنحن نريد دولة دستورية لا تخضع لأهواء وتقلبات أمزجة الساسة، ولا نريد إلا بلدا جامعا لكافة مكوناته تحت راية الدستور والقانون.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع