الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

أحمد نصر يكتب: الموازنة بين الهوية الوطنية والحقوق الكردية في صياغة مستقبل سوريا 

يستقر المشهد السوري مطلع العام 2026 على عتبة مرحلة تاريخية فارقة، حيث يتداخل فيها إرث عقود من التهميش مع آمال عريضة بولادة عقد اجتماعي جديد ينهي الصراعات البينية.

فبينما تسعى السلطات الانتقالية في دمشق إلى بسط سيادتها واستعادة وحدة الأراضي السورية، تبرز القضية الكردية كحجر زاوية في استقرار هذه الدولة الناشئة، إذ لم يعد التعامل مع حقوق الكرد مجرد إجراء أمني أو خدمي، بل أصبح اعترافاً سياسياً وثقافياً صريحاً بمكون أصيل من مكونات الشعب السوري.

ويتجلى الوضع الراهن في انتقال تدريجي من صيغة الإدارة الذاتية التي فرضتها ظروف الحرب نحو صيغة الإدارة المحلية الموسعة والاندماج المؤسساتي، مدفوعة بضمانات تشريعية غير مسبوقة تضمنت معالجة ملفات شائكة مثل الجنسية واللغة والتمثيل السياسي، وهو ما يعكس رغبة حقيقية في تصفير الأزمات الداخلية وبناء جسور الثقة بين المركز والأطراف.
​أما الرؤية المستقبلية لهذا الملف، فهي ترتكز على مدى نجاح القوى الوطنية السورية في تحويل هذه المكتسبات من مراسوم رئاسية طارئة إلى نصوص دستورية راسخة تحمي التنوع وتمنع العودة إلى سياسات الإقصاء، حيث إن المسار الذي تسلكه سوريا اليوم، والمتمثل في دمج القوى الكردية ضمن المؤسسات الرسمية ومنح الحقوق الثقافية الكاملة، يمثل الرهان الأكبر لتطمين الجوار الإقليمي وقطع الطريق أمام النزعات الانفصالية، مما يؤسس لهوية سورية جامعة تتسع للجميع.

إن نجاح هذا المسار في السنوات القادمة يتوقف على قدرة السوريين بمختلف أطيافهم على بناء مؤسسات ديمقراطية تضمن تحويل التنوع الثقافي من عبء سياسي إلى مصدر ثراء وطني، بحيث تصبح الحقوق الكردية صمام أمان لوحدة البلاد بدلاً من أن تكون ذريعة للتدخلات الخارجية، ليكمن المستقبل الواعد في نموذج الدولة اللامركزية التي تمنح المناطق صلاحيات إدارة شؤونها التنموية والثقافية تحت سقف السيادة الوطنية والنشيد الواحد، مما يضمن طي صفحة الصراع نهائياً والانتقال نحو مرحلة الإعمار الشامل، حيث يجد كل سوري، من القامشلي إلى دمشق، نفسه شريكاً أصيلاً في صياغة قرار بلاده ومستقبل أجيالها.

في هذا المشهد، تحضر جهود كبيرة الكيانات دولية وإقليمية وعربية، وتظهر أربيل فاعلة في محاولات إرساء السلام في سوريا، والكل شاهد على تقديرات الزعيم الكردي مسعود بارزاني للموقف، وهو من نادي بالتوافق والحوار، وقد فعل ذلك في كل محنة سياسية مر بها العراق أيضا.

إن حقوق المواطنة ركيزة أساسية لحماية كل دولة وضمان تقدمها وتجاوزها أزماتها خاصة خلال المراحل الانتقالية التي تمر بها عقب أي تغيير سياسي، نتمنى ضمانها في سوريا لكافة مكوناتها، وعبور المرحلة الصعبة من تاريخها المعاصر، وظهور دولة قوية بمفهومها المؤسسي والحقوقي.

*الكاتب محام بالنقض وخبير حقوقي